الثلاثاء، 1 يناير، 2013

• الألعاب الشعبية ودلالاتها التربوية



          اختلف اللعب قديمًا عن اللعب في عصر التكنولوجيا. فقديمًا كان الأطفال يلعبون ألعابًا فطرية، يتوارثونها عن الأجيال السابقة، جيلاً بعد آخر، من الخليج إلى المحيط، تتغير أسماء بعضها عن مثيلاتها في بلد عربي أو آخر، أو حتى تختلف من بيئة إلى أخرى، لكنها جميعًا تشترك في كونها ألعابًا فطرية تعتمد على الحركة والكلمة أو بهما معًا، فرضتها ظروف النشأة الاجتماعية في الأحياء الشعبية والروح الجماعية، وتبدو هذه الألعاب المتوارثة مجرد وسائل للتسلية والترفيه والتنافس الطفولي.

          لكن علم النفس الحديث، في مقارنة هذه الألعاب الشعبية بنظيراتها الحديثة التكنولوجية يكشف كيف أن مثل تلك الألعاب الفطرية تعد وسيلة تربوية يمكن أن تستخدم من قبل المربين لتوجيه الطفل وضمان السلام الداخلي له.
          واليوم أصبحت المناهج والأساليب التربوية الحديثة ترى أن المشاركة في اختيار وتقييم لعب الأطفال يجب أن تكون من اختصاص المربين، أي الأب أو الأم أو حتى أحد المعلمين.
          وإذا كانت عملية الاختيار والتقييم للعب الأطفال ملكًا لتربويين ومتخصصين في هذا المجال فلابد أن تكون لديهم الخبرة بالأدوات والمقاييس والإلمام بأنواع لعب الأطفال ليتسنى لهم معرفة المفيد والجيد منها.
إرث الأسلاف المسلي
          اختلفت الآراء والنظريات في تفسير اللعب عند الأطفال، فالبعض اعتبره مجرد وسيلة لتلبية غريزة الضحك عند الإنسان، والبعض الآخر يظن أنها مجرد وسيلة لاستنفاد الطاقة الزائدة، ومنهم من فسر اللعب على أنه ممارسة وتدريب للمهارات التي يحتاج إليها الإنسان من أجل البقاء، والبعض فسرها بأنها حركات لاإرادية لصفات متوارثة عن الأسلاف.
          أما أفضل النظريات وأقربها للواقع فهي نظرية التحليل النفسي لفرويد، والتي أرجع فيها كل تصرفات الإنسان إلى غريزة البقاء والخوف من المجهول.
بعض هذه الألعاب قد يكون لعبًا جماعيًا يستنفد طاقة عبر الركض مثلا والمهارات الحركية، وبعضها قد لا يتجاوز تحريك إطار مطاطي لدراجة أو سيارة والسير خلفه، أو أي شكل من أشكال الألعاب البدائية التي تعرفها الأجيال الأكبر عمرًا في العالم العربي والتي كانت تتشابه في أفكارها وإن اختلفت مسمياتها من منطقة لأخرى.
التطبيقات التربوية للمعلمين والأمهات              
1)   يمكن أن تستخدم اللعبة في مساعدة الطفل على تنمية شخصيته والتعرف على قدراته وتنميتها.
2)   يمكن أن يستفاد من اللعبة في العملية التعليمية بتنويع الإطارات والحلق المستخدمة بأحجام وألوان مختلفة واستخدامها في الخبرات لتعلم الطفل الألوان والأحجام.
3)   تستخدم في علاج بعض الحالات التي تعاني من الخوف والتوتر اللذين تخلقهما الضغوط النفسية.
ألعاب البنات
          بالنسبة للفتيات أيضًا كانت الألعاب تعتمد على الخيال الطفولي عبر العرائس وأدوات وتتشابه مع ما يستخدم في البيت من أثاث أو أجهزة أو طعام. لعبة العرائس كانت لعبة البنات المفضلة وتعتبر من ألعاب الأنشطة التعبيرية وتندرج تحت اللعب الخيالي المعبر عن دافع موجود أساسًا في الحياة العملية والتي يتلذذ من خلالها البنات لأنهن يمارسن من خلاله دورهن الغريزي كإناث ينزعن إلى الأمومة والحياة العائلية.
أهدافها
1)   التنفيس عن نوعية العلاقة بين الطفلة وإخوتها، وكذلك انفعالات ومشاعر ورغبات مكبوتة، أي أنه نشاط تعويضي (هدف انفعالي).
2)   تنمية خيال الطفل ومساعدته في التعرف على أنماط وأدوار الحياة (هدف معرفي).
3)   إثراء الناحية اللغوية عند الطفل عن طريق التعبير واستخدام الكلمات (هدف سلوكي ومعرفي).
الجانب الموضوعي
          تأتي البنات بأجهزة منزلية ومفارش وأدوات، وإذا كان اللعب فرديًا تقوم البنت بدور الأم وتتفاعل مع الدمى كأنها الأبناء، وتقوم من خلالها بأنماط سلوك معينة خاصة بالأم. أما إذا كانت جماعية فتوزع الأدوار التمثيلية بين البنات إلى أصحاب البيت والجيران ويقمن بجميع الأحداث والتفاصيل التي تحدث بين الكبار أمامهن.
المعالجة والتحليل
          تتجلى من خلال هذه اللعبة الغريزة الوالدية، وكذلك الغريزة الجنسية وأيضًا التملك والغريزة الاجتماعية. فاللعبة توضح شعور البنت النابع من نضجها السريع وميلها إلى الأمومة والاجتماع بالجنس الآخر، والتعبير عن المخاوف التي تنتابها في حالة الوحدة أو عدم وجود أسرة لها، فهي تمارس خلال هذه الخلية غريزة التملك والأمومة وكذلك التوافق الاجتماعي. فالطفلة بهذا الدور تتلذذ بكونها امرأة لها زوج وأبناء وأسرة تفرض على أفرادها رأيها، وتحتكرهم لها، يبتعدون بها عن مخاوف الوحدة والقلق، كما أنها تحاول أن تنفس من خلال دورها عن السلوكيات التي ترفضها من والديها وتجعلها تشعر بالضيق.
          إن الطفلة هنا استخدمت اللعب للتعبير عن الشعور وعن رغباتها الشخصية. والرموز والكلمات، والأحداث التي استخدمتها عبرت عن ميولها الفطرية، وارتبطت ارتباطًا وثيقًا بغرائزها الواضحة النضوج. ونتيجة لاستخدامها الخيال والرموز في التعبير، فقد اعتبر اللعب هنا مظهرًا من مظاهر النمو العقلي (بياجيه).
          أما من حيث قدرة اللعبة على تحقيق الأهداف، فاللعبة تعتبر نوعًا من التنفيس عن الغرائز، ومخاوف وانفعالات مكبوتة يقوم الأطفال بإخراجها لتحقيق التوازن النفسي لهم. كما تساعد اللعبة في التعرف على الصواب والخطأ ومحاولة تصحيح الخطأ من خلال توزيع وتنويع الأدوار.
          فالطفلة التي لها أم عصبية تعوض هذه الشخصية في اللعب بأم حنونة، ما يؤكد قدرة الطفل على التفكير السليم. وكذلك تساعد على تأكيد الأدوار في الحياة ومعنى المسئولية، والسلوك المتعارف في ظل عادات وتقاليد المجتمع.
          أما استخدام الألفاظ في التعبير فإنه يساعد على تنمية الثروة اللغوية لدى الطفل، وهذه الثروة الكمية في الألفاظ تساعد في التعرف على مفاهيم أكثر والتفكير، ومن هذا التفكير ينمو العقل ويكبر بصورة أكبر وأجدى.
التطبيقات التربوية
1)   تساعد المربي على معرفة البيئة التي يعيش فيها الطفل فيستفيد فيما بعد في إيجاد الأسلوب والسلوك المناسبين للتعامل معه. كما يمكن للأم أن تتعرف على رأي أطفالها فيها وفي الأسرة من خلال الأدوار التي يمارسونها.
2)   يستخدم هذا النوع من اللعب مع الأطفال الذين يعانون من مشكلة الانطواء والذين يخشون التحدث مع البشر فيتم مراقبتهم من خلال الحديث والتعبير أثناء اللعب.
3)   ينمي هذا النوع من اللعب النواحي المعرفية عن طريق التفاعل المباشر بين المربي أو المعلم والطفل وتوجيه الأسئلة والألفاظ ومحاولة التعرف على الإجابة في جو يسوده الشعور بالفرح والاطمئنان، ما يساعد على الاحتفاظ بالمعلومة وتخزينها واسترجاعها، أي أن الحدث والموقف يكونان ترميزًا أو تسجيلاً مرافقًا للمعلومة ما يساعد على تثبيتها.
نتيجة وتوازن
          مما سبق يتضح لنا أن جميع ألعاب الأطفال ما هي إلا إرجاع لسلوك الإنسان إلى الدوافع الأولية المسماة بالغرائز، وهذه الغرائز هي القوى والمحركات الأساسية للسلوك.. واعتبرت هذه القوى هي الخامات والمواد الأولية في تكوين الفرد.
          وقد قسم علماء النفس هذه النزعات النظرية والفطرية إلى «القابلية والاستهواء والمشاركة الوجدانية والتقليد واللعب» - بحسب الصحة النفسية - ويعزو كثير من علماء النفس سلوكيات الانسان إلى محاولة إيجاد التوازن الذي يتكون نتيجة لعملية التعلم والتنشئة مضافة إليها الظروف البيئية التي تحول دون الفرد وإحساسه بالأمن المستقبلي.
          وكي يتم التوازن للفرد لابد أن يكون هناك تفاعل مستمر بينه وبين الطبيعة بشكل أخذ وعطاء. فمن لا يملك يعان ومن يملك يعين. ولهذا نجد أن جميع الأطفال ترمز ألعابهم إلى بقاء الجنس وأسلوب البقاء للجنس البشري إما بالتكاثر والعائلة وإما البقاء للأقوى باستخدام الذكاء والمهارات.
          والطفل يشعر بهذه الأمور بالفطرة لأن الإحساس بالتكاثر والاستمرارية غريزة فطرية، ويولد الإنسان أو الكائن الحي وهو يحاول العثور على ماهيته وحقيقته والأساليب التي تحقق له التواجد والتفاعل والتوازن.
          وقد ذكر بعض العلماء «أربعة جوانب أو مؤشرات» - بحسب قائمة صاموئيل - في تحقيق التوازن النفسي منذ ولادة الإنسان، وهي:
1)   الجانب الروحي: يتضمن الإيمان بالله والمعتقدات الدينية وأداء العبادات.
2)   الجانب النفسي: يتضمن قبول الذات وتحمل الإحباط والسيطرة وضبط النفس.. إلخ.
3)   الجانب الاجتماعي: وهو حب الوالدين وشريكة الحياة والأولاد والحاجة إلى الجماعة.
4)   الجانب البيولوجي: ويتضمن سلامة الجسم من الأمراض والقوة البدنية. فالطفل حين يولد يملك غريزيًا كل ما يساعده على تلبية هذه المطالب والجوانب لتحقيق التوازن النفسي، وأي خلل في أحد هذه الجوانب يولد لديه قلقًا وخوفًا من الهلاك، ولذا نجده في ألعابه يعمد إلى تعزيز القوة وكأنه يؤكد أن فوق كل قوة من هو أقوى والله الأقوى، والدائرة تدور والدنيا تدور. ويؤكد ذاته من خلال هذه الألعاب ويحاول تحمل الإحباطات بتنمية قدراته من أجل الفوز والبقاء والقوة في المرة القادمة، وكذلك يؤكد بقاءه كجنس، ويؤكد حيوانيته من خلال مهاراته وألعابه التي تحتاج إلى التسلق والوثب وغيرهما من المهارات الحيوانية. ويعمد إلى تنمية قوته البدنية التي تعينه على البقاء.
نظرية التفاعل الاجتماعي لبندورا
          تؤكد نظرية التعلم الاجتماعي التفاعل الحتمي المتبادل المستمر للسلوك، والمعرفة، والتأثيرات البيئية (الحتمية التبادلية)، وأن السلوك الإنساني ومحدداته الشخصية والبيئية تشكّل نظامًا متشابكًا من التأثيرات المتبادلة والمتفاعلة. تتضح هذه التأثيرات المتبادلة من خلال «السلوك ذي الدلالة، والجوانب المعرفية، والأحداث الداخلية الأخرى التي يمكن أن تؤثر على الإدراكات والأفعال، والمؤثرات البيئية الخارجية». السلوك لا يتأثر بالمحددات البيئية، فحسب ولكن البيئة جزئيًا هي نتاج معالجة الفرد لها.




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق