الأحد، 6 يناير، 2013

• نشأة الغزل الحضري وأصل موطنه


منشأ هذا اللون من الغزل في حواضر الحجاز، بينما کانت نشأة الغزل العذري في بواديه، وترتبط هذه النشأة بالظروف التي أحاطت بالحجاز منذ خلافة عثمان حتى قيام الدولة الأموية، والسياسة التي ترتبت عن انتقال الحکم من الخلافة الدينية القائمة على الشوري إلى مُلك قائم على الوارثة.

کان هدف السياسة الأموية - تجاه المعارضة القوية في الحجاز- عزل هذا الإقليم عن شؤون الدولة وسياستها، ووْقف النشاط السياسي في الحجاز، لمکانة هذا الإقليم وتأثير آرائه وميوله في سائر الأقطار الإسلامية. ولم يکن بوسع الأمويين دائماً اتباع سياسة العنف في الحجاز، منعاً لتفجر الموقف وازدياد خطورته، لأن سكانه هم الذين نهضوا بالدعوة، وبذلوا للفتح. فعمد الأمويون الى أساليب خاصة لتحقيق هذه العزلة کان في مقدمتها نقل عاصمة الخلافة إلى الشام. وبذلك ضمنوا تحويل النشاط الإدارى عن مدن الحجاز، بحيث بات اقليماً عادياً، فخسر مرکز الزعامة الذي کان له أيام الراشدين، ثم أحاط بنو أمية هذا الاقليم بجو من الدعة حين هيأوا له أسباب اليسار والثروة، ووفروا فيه عومل اللهو.
وقد تلاقى هذا المنهح السياسي مع الشعور الذي کان يغمر الحجاز، وهو مزيج من الخيبة واليأس في ناحية، والنقمة والحقد في ناحية ثانية، فکان لابد للحجازيين من الاستكانه والاذعان للأمر الواقع. حقاً إنهم أصحاب الحق - ولكنهم غير قادرين على المقاومة، فليكن إغراق في النعيم وتعويض عن وجاهة الزعامة، بوجاهة الغنى والبذخ، وتَحوّل من حياة الجهاد الى حياة الترف.
و هكذا أقبل الحجاز، سواء في ذلك أنصار بني أمية أو معارضوهم، راغبين أو کارهين، على هذه الحياة الجديدة، حيث کثرت الجواري وشاع الغناء، واتجه الشعر صوب الغزل الذي يرى فيه الحجازيون وسيلة لعلاج مشاعر الحقد والقنوط.
وحسب كتاب قصة الأدب في الحجاز في العصر الأموي أن الإماء وثأثيرها على الشعر كانت موجودة في العصر الجاهلي، ويكفي أن نعرف أن جوائز الملوك للشعراء تكون من الإماء في بعض الأحيان. وقال النابغة يمدح النعمان بأنه يبذل الإماء المنعمات في هباته جنبًا الى جنب مع الإبل الغلاط الشداد:
الـواهب المأئة المعكاء زينها
سعـدان توضح في اوبارها اللبد
الراكضـات ذيول الريط فانقها
برد الهـواجر كالغرلان بالجـرد
وبسبب شيوع الغناء، وشيوع مدارسه وجوقاته وأجوائه ومنتدياته في جميع مدن الحجاز ونواحيه، کان لابد من ظهور فريق من الشعراء بجانب المغنيين والمغنيات، يمدونهم بالقصائد والأشعار التي هي مادة الغناء الأول. وقد وجد شعراء المدرسة الحضرية أنفسهم وهم يلازمون هؤلاء المغنيين والمغنيات، ويقدمون لهم أحدث القصائد والمقطوعات التي تتلاءم مع ذوق الخاصة والعامة، في ظلال النعيم والدعة والفراغ.
إن شعر عمر بن أبي ربيعة وأصحابه الحجازيين مع تركيزه على الغزل فقط، ومع قربه مرة من الخلاعة، لم ينحطّ ابداً الى الفحش والمجون المحض الكثير، كما ظهر في غزل شعراء عهد العباسيين، ثم من الجدير بالذکر أيضاً أنّ عمر بن أبي ربيعة وأکثر شعراء الحجاز، لاسيما مكة، منذ زمن الأمويين وحتى أوائل القرن الثاني، امتنعوا عن باب الخمريات في شعرهم امتناعاً تاما،ً ولم يذکروا الخمر إلا في التشابيه، وذلك مع أن شرب الخمر غير مجهول في ذلك العصر بالمدينة.
ولم يكن عيش وشعر عمر إلا في الغزل، فمن المعروف أن عمر بن عبد العزيز نفاه لفرط تشبيبه بنساء ذوات الأخطار من أهل المدينة، ثم عفى عنه ومات بدمشق بعد المائة بسنين قليلة.


 تابعونا على الفيس بوك
إقرأ أيضًا





ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق