السبت، 5 يناير، 2013

• الغزل في العصر العباسي .. خصائصه، أهم شعرائه



يبدأ العصر العباسي بسقوط الدولة الأموية في الشام سنة 13هـ/749م، وينتهي بوقوع بغداد في قبضة التتار سنة 656 هـ/1258م.

وإذا كانت دولة بني أمية عربية أعرابية، فإن الدولة العباسية قد استبحرت في الحضارة، وعمّت فيها مظاهر البذخ والترف. ونتج عن احتكاك العرب بغيرهم من الأجناس الكثير من التغيير في أنماط الحياة الاجتماعية، وفي أساليب المأكل والملبس وآداب السلوك. وأدت عمليات الزواج بغير العربيات إلى نشوء جيل مولّد جديد، يضم عددًا كبيرًا من الأدباء الذين ثاروا على الأدب القديم، ودعوا إلى التجديد في مضامينه وأساليبه. 
وأدت كثرة الجواري في بيوت الخلفاء والأمراء ومراتع اللهو إلى حالة من الفساد الخلقي، زاد خطرها نشوء طبقة من الغلمان الذين كان بعضهم يفوق النساء في أساليب الغواية والإفساد. 
وعرف الشعر في هذا العصر فنونًا وأغراضًا لم يألفها الشعر العربي من قبل، كالغزل بالمذكر، والخمرة، والميل إلى الأوصاف الحضرية، والعزوف عن العصبية والبداوة. وزالت من كثير منه آثار التقليد والاحترام للأقدمين، وحلّ مكانها النفور من أشكال حياتهم وأغراضهم، واختفى منه التستر والكناية، وظهر فيه التصريح وقلّة الاكتراث. واستخدمت فيه الأوزان القصيرة، ونظمت المقطعات، وطرقت القوافي المهجورة. 
وظل تيار الغزل مزدهرًا في هذا العصر، حتى ليخيل إلينا أن كل من غرّد بالشعر قد نظم فيه. وظلت اتجاهاته الإباحية والعفيفة التي سادت في العصر الأموي تحتل القسم الأكبر من نتاج شعرائه.
ولعل غلبة الاتجاه الماجن على الاتجاه العفيف في هذا العصر كانت بسبب كثرة الإماء ودور النخاسين التي كانت تزخر بالجواري من كل جنس، وما كنّ يشعنه في جو بغداد من إباحة وتحلل خلقي، جعل الشعراء يسرفون في النظر إلى المرأة بمنظار الشهوة، ويعجزون عن اتخاذ جانب القصد في التعبير والتصوير.
وكان أبو نواس وهو في طليعة من سار في هذا الاتجاه، منسجمًا مع موقف شمولي ينطوي على رغبة لا متناهية في التحرر من كل قيد، ومتخذًا من نشوة السكْر نافذة يطل بها على العالم، وبلغ به الاستهتار حدًا جعله يشذ عن المألوف، ويتغزل بالغلمان، ويفضلهم في كثير من الأحيان على المرأة الأنيقة المتبرجة، وفي هذا يقول:
"منْ يكنْ يعشقُ النساءَ فإني     مُولعُ القلبِ بالغلامِ الظريفِ"
وسار الغزل العفيف بمحاذاة الغزل الإباحي الماجن، وكان شعراؤه وفي طليعتهم العباس بن الأحنف (ت 192هـ/808م) يستمدون من غزل العذريين في العصر الأموي الكثير من المعاني والألفاظ، فإذا هم يستعذبون نار هواهم المحرقة، ويتلذذون بما يسببه لهم من شقاء وحرمان، وإذا أشعارهم تغصّ بأحاديث العذاب والسهر والفراق واللوعة والتضرع واحتمال الأهوال. 
ومما تميز به غزل العصر العباسي قلة القصائد الطويلة، وكثرة المقطوعات التي كانت تفوق المطولات الغزلية متانة، وصدق عاطفة وجمال تعبير. 



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق