الأحد، 6 يناير، 2013

• الحوار القصصي في غزل عمر بن أبي ربيعة



حين نتكلم عن القصة في غزل عمر أو عن الحوار القصصي، فإننا نأخذهما بمعناهما العام، فلا نعني الروايه بکل ما فيها من فنٍ قصصي وعقدة ومتعة فنية، ولا نعني الحوار التمثيلي الذي يجرى على المسارح، وإنما نعني الحديث المنظوم الذى يکاد يتفرد فيه ابن أبي ربيعة.

وهذا الحوار كان معروفًا في الأدب الجاهلي، فقد أتى امرؤ القيس بالقصص والحوار في شعره، إلا أن ابن أبي ربيعة قصد الى ذلك قصداً، وجعله قوام فنه الشعري، فبسط فيه القول، وجعل فيه حلاوة ولباقة وبلاغة لم تجمتع لغيره.
ويقوم إبداع عمر في فنه هذا بأن تجري فيه الدقة الواقعية، فالنساء يظهرن في هذا الفن بأخلاقهن، وإشاراتهن، وحرکاتهن، وهن يطلبنه دائماً، ويتحدثن عنه في غيابه، ويتغزلن به أکثر مما يتغزل بهن، ويلقين عليه النعوت الجميلة، فکان عمر لا يهتم للفن الشعري بقدر ما يهتم لأدخال لغة النساء فيه:
بينـما ينعتنـي أبصرننـي
دون قيد الميل يعدو بي الأغـزٍ
قالتٍ الکبري أتعرفن الفتي؟
قالت الوسطي "نعم هذا عمـر!"
قالت الصغـري، وقد تيمتُها
"قد عرفناه، وهل يخفي القمر؟"
وعمر بن أبي ربيعة، في قصصه وحواره يکثر من القسم وإشهاد الله والاستحلاف، وقد يکون ذلك من خصائص الحديث في ذلك العهد:
بربك هل أتاك لها رسول
فشاقك أم لقيت لها خدينا
فعمر يتحدث معنا بلسان النساء ونفسيتهن، وما يغمرهن من غيرة شديدة حين يتغنى شخص بجمال إحداهن وما لها من فتنة وإغراء.
وقد حول عمر الغزل من الرجل الى المرأة، فالصوره العامة فى غزله أنه معشوق لا عاشق، وعمر في ذلك يعبّر عن تطور جديد فى الحياة العربية، فقبله لم نکن نعرف شاعراً يصبح شخصه موضوع الغزل فى غزله، إنما شخص المرأة هو الموضوع المعروف للغزل، وبعبارة أخرى کانت المرأة قبل غزل ابن أبي ربيعة هي المعشوقة، أما في غزله، فقد تحولت إلى عاشقة، کما تحول عمر نفسه من عاشق إلى معشوق.
ولعل هذا ما جعل عمر ينفرد في غزله بنفسه، ولم يستطع أحد أن يجاريه، لأن عمر نفسه ليس من السهل أن يوجد مراراً، إذ لابد للشاعر من ظروف کثيرة تحوّله من عالم العاشقين الى عالم المعشوين، لابد أن يکون له ثراء عمر، وأن تکون له أمّه التي عاشت له، وأيضاً لا بد أن يوجد مجتمع مكة وما فيه من نساء أصبن شيئاً من الحرية، فكثر الاختلاط بينهن وبين الرجال، على نحو ما کثر بين نسا مكة وابن أبي ربيعة.
والحوار القصصي جعل الشاعر أسير مدرسة شهيرة من مدارس الفن القصصي في الأدب الحديث، وهي المدرسة الواقعية التي لا تأنف من تصوير الواقعة كما هي.
والملاحظ أن مثل هذه الحوادث العابرة كثيرة في قصائد هذا الشاعر، وقد نظمها لذاتها، مسجلاً فيها بداوته ومغامراته، كما يفعل من يدوّن مذكراته اليومية مصورًا ما جرى معه خلال اليوم من حوادث واخبار، ولو شئنا أن نقولها من الناحية الفنية القصصية، لرأينا أن الحوار القصصي هو العنصر البارز الذي يطغى على سائر العناصر الاخرى التي يمكن أن تتوافر في القصة، وهذا هو الذي جعل (العقاد) يرى أن عمر لم يبدع (كما يقول بعض النقاد) في فن القصة المنظومة، بل أبدع في الحوار القصصي أو ما يطلق عليه الحديث المنطوم الذي لا يصدر عن عاطفة صادقة.
ونستطيع بذلك أن نفهم لماذا لم يکن لعمر مدرسة في تاريخ الغزل العربي، ولم ينهج شعراء نهجه، لأنه کما قدمنا کان متفرد الشخصية، وعملت ظروف مختلفة في تکوينه ليس من السهل أن توجد عند غيره.


تابعونا على الفيس بوك
مواضيع تهم الطلاب والمربين والأهالي
قصص للأطفال وحكايات معبّرة


إقرأ أيضًا






















هناك تعليقان (2):

  1. شكرا على ما قدمتموه لنا من معلومات عن الحوار القصصي

    ردحذف