الثلاثاء، 20 نوفمبر، 2012

• الغزل، النسيب، التشبيب... مفهوم، معنى، وأنواع


النّسيب والغزل والتّشْبيبُ
النَّسِيبُ هو: رَقيقُ الشِّعْر في النساءِ؛ ولا يكون إلاَّ في النِّساءِ.
والغَزَلُ هو: حديثُ الفِتْيان والفَتَيات، ويقال أن الغَزَلُ هو الّلهْو مع النساء.
وتَشْبِيبُ الشِّعْر: تَرْقِيقُ أَوَّله بذكر النساءِ، وهو من تَشْبـيب النار .


ومُغازَلَة النساء هي مُحادثتُهن ومُراوَدتُهنَّ. وكذلك تفعل المرأة بالرجل...  أما التَّغَزُّلُ فهو تكَلُّّف الغَزَل... ويُوصف الرجل ممن يحب مغازلة النساء وفق هذا المعنى بأنه رجل غَزِلٌ... وتوصف المرأة التي تحب مغازلة الرجال ومراودتهم أيضا بأنها غَـزِلـَة ومُتَغَزِّلَة سواء أكانت تهوى حديث اللهو مع الرجال أو تقول فيهم شعراً. وإن كان بغرض المدح فمدح المرأة للرجل إعجاب وتعبيرها عن هذا الإعجاب هو غزل.
وكانت العرب ترى انه لا يقول الرجل في المرأة شعرًا غزلاً كان أم نسيب إلاّ وكان عاشقا لها.
وتقول العرب ايضًا عن المرأة الشاعرة أنها إذا عشقت تغزّلت...
وقد ظلّ هذا المعنى سائدًا دون أن يطرأ عليه تعديل في التاريخ المعاصر وربما ما عاد أحد يهتم... لكن المشاهد ان العرب ولأسباب تتعلق بحساسيتها المفرطة تجاه المراة قد ذهبت إلى ما ذهبت إليه في تفاسيرها. ولكن المفاهيم تغيرت الآن ولم تعد المرأة تجد حرجا في الشكوى من حَرّ الهوى ولواعج الغرام وذكرى الحبيب وسكب الدموع على غدره إن غدر أو غادر الحياة الدنيا... ولم يعد أحد يعيب عليها ذلك بعد أن اعترف لها الذكر بحقوقها العاطفية... لكنها مع ذلك تظل تراوح نفسها في الجانب العذري من العلاقة بعيدًا عن الجوانب الحسية الجوهرية ... ومن ثم متحفظة كثيرًا مقارنة بالرجل الذي يبدو حرًا طليقًا يقول ما يشاء ويطرق كافة الأبواب ويرتاد بشعره كل الأماكن الحسّاسة في جسد المرأة دون حسيب ولا رقيب .
والغزل هو ضرب من ضروب الخِفّة العاطفية لعوامل جينية وإستعداد نفسي فطري موروث فوق السيطرة لدى الذكر أو الأنثى على حد سواء وليس للبيئة دخل فيه... فقد تجده في الأمِّي والمتعلم، الجاهل والمثقف، البدوي والحضري ، القروي والمدني، المراهق والكهل والعجوز ولدى إنسان الأدغال وساكن قمم الجبال على حد سواء... ومنه يقول العرب لبعض أنواع الظباء (غزال) لخفّة حركته...
ولكن يبقى الأسلوب الذي يتبعه الفرد في الغزل وحب الجنس الآخر هو الذي يحدد مدى قبول المجتمع له بغض النظر عن عمره... والشاطر من يتصرف وفق سنه وما يتطلبه من أفكار وأداء، فالذي يقبله المجتمع من المراهق والمراهقة قطعًا لن يقبله من الشيخ والعجوز، ولكن مع ذلك فالحب مشاع للجميع طالما فيهم روح وتنبض أجسادهم بالحياة، وقد بتنا الآن نسمع عبر وكالات الأنباء بمن يعقدون قرانهم على بعضهم البعض وهم في نهاية السبعيات وربما بداية الثمانينات من العمر.
والحب والعشق والنسيب والغزل لدى البدو وأهل القرى أوضح وأقوى وأشد تمكينا في القلب من أهل المدن، بسبب عدم تلوّث النفس بجفاء المدينة وغربتها، وكذلك لتوافر مساحة الحرية الواسعة في العلاقة الظاهرية، والاتصال بين الرجل والمرأة في المجتمع البدوي والقروي كونهم جميعا أبناء عشيرة واحدة أو قبيلة، يتعارفون فيما بينهم، واكثر إطمئنانا للحب العذري.
والبدوي إذا تملكه الهوى مرض واصابته الحمى ولزم الفراش فيعرف أهله انه عاشق، وقد يصل به الأمر إلى الجنون أو الموت، وكذلك تصاب الفتاة الكاعب والمرأة البدوية بالأرق والذهول، وينحل جسدها وتذبل وترفض الأكل وربما تموت بسبب الحب، على العكس من إنسان الحَضَر بوجه عام، حيث يكون أقدر على التماسك وتغليب العقل والموازنة بين الممكن والمستحيل والمنفعة المتبادلة متأثرًا بمعطيات وقناعات الحياة المادية، فتجعله لا يمنح الحب كل قلبه ومشاعره، وتكون للواقعية دور كبير في إنشاء حوائط الصد العاطفية لديه.
وللتبسيط يمكن تعريف المصطلحات على النحو التالي:
الغـَـزَل
وبنحو عام فإنك إذا قرات قصيدة فيها حوار بين الرجل والمراة من قبيل قالت لي وقلت لها.. غضبت مني.. ابتسمت.. خجلت.. أو حتى أشاحت بوجهها فهذا هو ضرب الغزل بينها وبينه مكتمل الصورة والأركان.. وهو أوضح في شعر البدو لسبب سهولة اللقاء والاختلاط الذي تفرضه البيئة، ومشاركة المراة للرجل في الأعباء من رعي وزراعة وسقاء وورود ماء... الخ...
ولأجل ذلك ترى في المجتمعات المتحضرة أن الفتاة أو المرأة ترفض التجاوب سلبًا أو إيجابًا مع الرجل، بل ولا تنظر إليه فيكون ذلك أبلغ رسالة له أن طريقه مسدود، ولكنها إذا كشرت في وجهه مثلاً أو عبرت له بعينيها وفمها عن احتقارها وكرهها له، أو شتمته بكلمة فإن ذلك يكون مؤشرًا على تجاوبها معه، وفتح الباب له للحوار بشتى أنواعه، فيتشجع وهو يدرك أنه لا محالة في النهاية سينال رضاها، وكما يقول المثل الشعبي (مَا مِنْ مَحَبـّة إلاّ بَـعْـدَ عَـدَاوَة).
النّسيب
وإذا وجدت اقتصار موضوع القصيدة على الوصف لمحاسن المرأة ومفاتنها والسهر وعد النجوم، إلخ... دون تواجد للمحبوبة في مسرح القصيدة، وبالتالي لا تشارك المحبوبة بردود أفعال حاضرة إيجابية أمام شاعرها فهذا هو النسيب، وهو اوضح في شعر الحضر، وربما لو تمعنت في شعر أبناء المدن لوجدت ذلك واضحًا، وحيث يغلب وصف جسد المراة ومفاتنها على الحوار اللفظي بينها وبين شاعرها.

إذا كَانَ مَدْحٌ فالنّسِيبُ المُقَدّمُ:
وكانت العرب لا تمدح إلا إذا افتتحت القصيدة بالنسيب .. وتقول القاعدة في هذا المجال (إذا كَانَ مَدْحٌ فالنّسِيبُ المُقَدّمُ) .. ولأجل ذلك كانت افتتاحية الشاعر المخضرم كعب بن زهير الذي جاء يطلب العفو ويعلن إسلامه وهو يتشرف بالوقوف أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم لينشد قصيدته العصماء والأكثر شهرة في مدح سيد الخلق (بانت سُعَادُ):
بَانَتْ سُعَادُ فقَلْبـِي اليَوْمَ مَتْـبُولُ    مُـتَـيّمٌ عِنْدَهَا لَمْ يُـفْـدَ مَكْبُولُ
ومَا سُعَادُ غَدَاةَ البَيْن إذْ رَحَلُوا       إلاّ أغَنّ غَضِيضُ الطّرْفِ مَكْحُولُ
هَيْفَاءُ مُقْبلَةٌ عَجْزَاءُ مُـدْبــِرَةٌ     لا يُشْتَكَىَ قِصَرٌ مِنْهَا ولا طُـولُ
تَجْلُو عَوَارضَ ذِي ظَلْم إذَا ابْتَسَمَتْ  كَأنـهُ مُنْهَـلٌ بالرّاحِ مَعْـلُولُ
شُجّتْ بـذِي شَبـََمٍ مِنْ مَاء مَحْنِيَةٍ    صَافٍ بأبْطَحَ أضْحَىَ وَهْوَ مَشْمُولُ

التّشْبيب
جاء في لسان العرب لإبن منظور قوله:
وتَشْبِيبُ الشِّعْر: تَرْقِيقُ أَوَّله بذكر النساءِ، وهو من تَشْبيب النار .
ويقول الجوهري في (الصحاح في اللغة): وشَبَبْتُ النار والحَرْبَ أَشُبُّها شَبّاً وشُبوباً، إذا أَوْقَدْتها.
وشَبَّبَ بالمرأَة: معناه أنه قال فيها الغَزَل والنَّسِـيبَ؛ وهو يُشَبِّبُ بها أَي يَنْسُبُ بها.
والتَّشْبِـيبُ: النَّسِـيبُ بالنساءِ.
ويقتصر التشبيب على شعر الرجل في المرأة ولايعتبر تغزل المرأة في الرجل تشبيبًا، وإنما هو في كل الأحوال غزل حتى لو استتر تحت عباءة شعر الحماسة والفخر والمدح، هكذا استقر قدماء العرب وكبار النقاد في ذاك الزمان على هذا الرأي، ولا يزال هذا التفسير هو السائد لعدم تجديده وفق مقتضيات العصر، ولا شك أن السبب يكمن في أزمة النقد الأدبي .
وربما ذهب الرُواة وقدماء النقاد مثل الأصمعي (الذي ذاع صيته خلال العهد العباسي) إلى تحديد تلك المصطلحات أو تبنِّيها من لدن السابقين لسبب أن النّسيب متصل بوصف المفاتن والمحاسن المثيرة في المرأة، وهذه المفاتن والمحاسن بالطبع لا يوجد لها شبيه في الذكر الرجل، فلا يعقل مثلاً أن تقول المراة في الرجل (النّسيب) من قبيل أن كفله كذا وخصره كذا واردافه على هذا النحو، إلخ...
وبالتالي فإنه إذا نظمت المرأة شعرًا في الرجل لا يقال لشعرها هذا (نَسِـيـبـَا) وإنّمَا (غَزَلاً) فالنسيب كما قدمنا هو في المرأة فقط ولا يكون في الرجل.
وقيل فى الغزل ايضًا:
هو التحدث عن النساء ووصف ما يجده الشاعر حيالهن من صبابة وشوق وهيام، وقد طغى هذا الغرض على الشعراء فأصبحوا يصدرون قصائدهم بالغزل لما فيه من تنشيط للشاعر واندفاعه في قول الشعر، ولما فيه من تنشيط للمستمع لذلك الشعر، ومن أجمل مطالع القصائد الغزلية قول المثقب العبدي:
أفاطِمُ قبْلَ بَينِكِ مَتَّعـيني           ومَنْعُكِ مَا سَألتُ كأن تَبِيني
فَلا تَعِدِي مَواعِدَ كاذباتٍ            تَمرُّ بِهَا رِيَاحُ الصَّيفِ دُونِي
فَإنِّي لَوْ تُخَالِفُني شِمَالِي             خِلاَفَكِ مَا وَصَلْتُ بِهَا يميْنِي
إذاً لَقَطَعْتُهَا ولَقُلْتُ بِيْني             كَذَلكَ أجْتَوِي مَنْ يَجْتويني

وإذا تتبعنا الغزل الجيد المؤثر في النفس وجدناه الناتج عن التذكر واسترجاع المواقف الماضية سواء كان في صدر القصيدة أو غزلاً مقصوداً لذاته، فهذا المُرَقِّش الأصغر يقول في تذكر موقف غزل:

صَحَا قَلْبُه عَنْهَا عَلى أَن ذِكْرَةً     إذَا خَطَرَتْ دارَتْ بِهِ الأرَضُ قائماَ

وهذا بشر بن أبي خازم يقول:
فَظَلِلْتَ من فَرْطِ الصَّبَابَةِ والهَوَى   طَرِفاً فؤادُكَ مِثْل فِعْل الأيَهْمِ

وإذا كان بعض الشعراء يعبرون عن لوعتهم وحبهم في أبيات تصور خلجات النفس وتأثرها بالحب فإن عدداً من شعراء الجاهلية يتعدون ذلك إلى وصف المرأة وصفاً كاملاً فيصفون وجهها وعينيها وقوامها ورقبتها وأسنانها وغير ذلك، ومن هؤلاء الأعشى وامرؤ القيس بل إِن امرأ القيس لا يتورع عن ذكر ما يجري بينه وبين المرأة. وغرض الغزل وإن كان يستدعي أسلوباً ليناً رقيقاً إلا أننا لا نجد ذلك إِلا عند القليل من الشعراء الجاهليين.
أما معظم شعراء الغزل في الجاهلية فأسلوبهم يتصف بالقوة والمتانة ولا يختلف عن أسلوب المدح أو غيره من الأغراض.


تابعونا على الفيس بوك
إقرأ أيضًا








هناك تعليقان (2):

  1. هعغلبيغعالبقè_هتب

    ردحذف
  2. المجدوبي محمد29 أبريل، 2013 12:01 ص

    تحياتي الخاصة لأصحاب المواضيع القيمة حقا

    ردحذف