الخميس، 15 نوفمبر، 2012

• المسلمون... والسعي وراء العلم


    
          كان علماء المسلمين يحبون العلم، ويثابرون على البحث العلمي، حتى أن العالِمَ منهم كان يقطع آلاف الأميال من أجل أن يقابل عالماً، أو يلتقي براوية، أو يحقق مسألة علمية، أو يطَلع على كتاب، أو مخطوط نادر.
          من ذلك رحلة «الإمام البخاري»، التي طاف فيها آسيا والشام والحجاز، في سبيل جمع الأحاديث النبوية الشريفة.

          ورحلة «حنين بن اسحق»، الذي أخذ يبحث عن كتاب «البرهان» لجالينوس في أرجاء العراق وسورية وفلسطين ومصر حتى ظفر بما يقرب من نصفه!
          و«أبو الريحان البيروني» الذي قضى أكثر من أربعين سنة، يبحث عن نسخة من كتاب ماني «سفر الأسفار» ليتأكد مما رواه «أبو بكر الرازي» عن ماني!.
          وإذا كان هذا حال العلماء، فقد كان كثير من الخلفاء والأمراء يتنافسون في تقدير العلم.
          كان الخليفة المأمون يعطي «حنين بن اسحق» وزن الكتب التي يترجمها ذهباً، وأرسل السلطان «مسعود الغزنوي» إلى «البيروني» ثلاثة جمال تنوء بأحمالها من الفضة، مكافأة على كتابه «القانون المسعودي»، لكنه اعتذر قائلا أنه يخدم العلم للعلم وليس للمال.
          وقصة «الحسن بن الهيثم» مع الأمير الذي دفع له أجر تعليمه فرده قائلاً: خذ أموالك فأنت أحوج إليها مني، واعلم أن لا أجرة ولا رشوة ولا هدية في إقامة الخير.
أيسر محفوظاته كتاب الأغاني!
          قال «أبو بكر محمد» ابن الوزير «أبو مروان عبد الملك بن زهر»:‏ ‏بينما أنا قاعد في دارنا، وعندي ناسخ يكتب لي «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني، إذ دخل علينا رجل عليه ثياب غليظة وعلى رأسه عمامة لفها من غير إتقان. فحسبته من أهل البادية.‏ ‏سلـم وقعد، وقال:‏ يا بنيّ، استأذن لي على الوزير أبو مروان.‏ ‏فقلت: هو نائم. سكت ساعة وقال:‏ ما هذا الكتاب الذي بأيديكما؟‏ فقلت: ما سؤالك عنه؟‏ ‏قال:‏ أحب أن أعرف اسمه، فإني كنت أعرف أسماء الكتب!‏ قلت: هو كتاب الأغاني.‏ قال: إلى أين بلغ الكاتب منه؟‏ قلت: بلغ موضع كذا.‏ ‏وجعلت أتحدث معه على طريق السخرية. فقال:‏ ‏وما لكاتبك لا يكتب؟‏ قلت:‏ ‏طلبتُ منه الأصل الذي يكتب منه لأُعارض به هذه الأوراق، فقال:‏ لم أجئ به معي.‏ قال: يا بنيّ، خُذ كراريسك وعارض.‏ قلت: وأين الأصل؟ قال: كنت أحفظ هذا الكتاب في صباي.‏ ‏تبسـمتُ، فلما رأى تبسمي جعل يقرأ، فواللّه ما أخطأ واواً ولا فاءً، قرأ هكذا نحواً من كراستين، ثم أخذت له في وسط السـِّفر وآخره، فرأيت حفظه في ذلك كله سواء.‏ ‏فقمت مسرعاً حتى دخلت على أبي، ووصفت له الرجل، فقام كما هو، وكان ملتفـاً برداء ليس عليه قميص، وخرج حاسر الرأس، حافي القدمين، وهو يـُوسعني لومـاً، حتى ترامى على الرجل، وجعل يُقبـّل رأسه ويديه ويقول:‏ يا مولاي اعذرني، فواللّه ما أعلمني هذا الجِـلـْفُ إلا الساعة.‏ وجعل يسبـّني، والرجل يُخَفِّف عليه ويقول: ما عرفني. وأبي يقول: هـَبْه ما عرفك، فما عـُذره في حسن الأدب؟‏ ثم أدخله الدار، وخلا به فتحدّثا طويلاً. ثم خرج الرجل وأبي بين يديه حافياً حتى بلغ الباب. وأمر بدابته الخاصة فأُسـْرِجتْ، وحلف عليه لَيَرْكـَبَنَّها ثم لا ترجع إليه أبداً.‏ فلما مضى الرجل قلت :‏ ‏من هذا الذي عظَّمته هذا التعظيم؟‏ قال:‏ اسكت، هذا أديب الأندلس وإمامها وسيّدُها في علم الآداب. هذا ابن عبدون، أيسرُ محفوظاته كتاب الأغاني!




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق