الثلاثاء، 20 نوفمبر، 2012

• أسباب الاكتئاب


          إذا كنت ممن يعتقدون أن سبب الاكتئاب يرجع إلى مستويات السيروتونين Serotonin المنخفضة في جسم الإنسان فعليك إذن التفكير مرة أخرى. إذ يبدو أن كيمياء الدماغ لدى الشخص المصاب بالاكتئاب أكثر تعقيدا مما نعتقد، مع تزايد البراهين التي تشير إلى أن وجود السيروتونين بكمية كبيرة جدا في بعض مناطق الدماغ ربما يكون هو المسئول عن ذلك.

          وإذا كان هذا صحيحًا، فإنه يمكن أن يفسر بعض الآثار الجانبية السلبية التي تتولد عن تناول مثبطات إعادة أخذ السيروتونين الانتقائية Selective Serotonin Re- Uptake Inhibitors، المعروفة اختصارًا باسم  (Ssris)، وهي من مضادات الاكتئاب مثل عقار البروزاك والتي ترفع مستوى الناقل العصبي سيروتونين في بعض مناطق الدماغ.
          ووجهة النظر التقليدية المتعلقة بالاكتئاب تستند إلى حد بعيد على ملاحظة أن مثبطات إعادة أخذ السيروتونين الانتقائية تقوم بتحسين الحالة النفسية بالرغم من أن أحدا لا يعرف كيف يحدث هذا. ويقول د. كريستوفر لوري الأستاذ بجامعة بولدر في كولورادو: «لأن مضادات الاكتئاب تزيد من مستويات السيروتونين في بعض أجزاء الدماغ، فإن الناس اعتقدوا أن الاكتئاب يحدث نتيجة انخفاض مستويات السيروتونين». ولكن اكتشاف أنواع عديدة من العصبونات (الخلايا العصبية) التي تفرز السيروتونين في الدماغ، إلى جانب اكتشاف مستويات سيروتونين عالية لدى المصابين بالاكتئاب يحثنا على إعادة التفكير.
          ويتابع د. لوري: «الأمر المرجح هو وجود مجموعات فرعية من العصبونات المنتجة للسيروتونين تصبح مفرطة النشاط في المرضى المصابين بالاكتئاب وليست أقل نشاطا كما كنا جميعا نعتقد».
          وكانت أولى الدلائل التي تشير إلى إمكانية تعارض شيء ما مع النظرية التقليدية قد ظهرت قبل ثلاث سنوات عندما وجد موراي إلسر الباحث في معهد بيكر لأبحاث القلب في ملبورن، أستراليا، وزملاؤه أن مستوى السيروتونين في أدمغة الأشخاص الذين يعانون من اضطرابات الهلع كان أربع مرات أعلى من مستواه لدى المتطوعين الأصحاء، أما لدى الأشخاص المصابين بالاكتئاب الذين لم يتلقوا العلاج فكان معدل السيروتونين أعلى مرتين من المتطوعين.
          وقد تبين أيضا أن استعمال الأشخاص المصابين بالاكتئاب واضطرابات الهلع لمثبطات إعادة أخذ السيروتونين الانتقائية على المدى الطويل من شأنه أن يخفض معدلات السيروتونين من خلال ألية غير معروفة حتى الآن.
          والآن، وفي بحوث أجريت على الجرذان والفئران، وجد لوري أن هناك أنواعا عديدة من العصبونات السيروتونينية التي ممكن أن تنتظم بشكل مستقل. وقدم لوري نتائجه في منتدى علم الأعصاب الأوربية الذي عقد في أواخر يوليو الماضي في أمستردام بهولندا.
          وتتفق هذه الاستنتاجات مع النتائج التي توصل إليها باحثون آخرون مفادها أن هناك نوعين من المستقبلات السيروتونينية في اللوزة Amygdala، وهي منطقة في عمق الدماغ مرتبطة بالعواطف والقلق: مستقبلات 5- Ht2a التي تثبط القلق ومستقبلات 5- Ht2c التي تعززه.
          وقد تم التعرف على أدوار المستقبلات من خلال الحقن بعقاقير تقوم بتحفيز أو تثبيط كل مستقبل منها وملاحظة الاستجابة السلوكية.
          وأفادت جميع هذه النتائج بأنه بينما تؤدي المستويات العالية للسيروتونين في بعض مناطق الدماغ مثل القشرة ما قبل الجبهية Prefrontal Cortex  إلى تحسين الحالة النفسية، فإن ارتفاع مستويات السيروتونين في مناطق أخرى من الدماغ يمكن أن يؤدي إلى أعراض سلبية.
          وجاء إثبات هذه الفكرة من مجموعة باحثين تقودها د. جينا فورستر الأستاذة بجامعة ساوث داكوتا، عندما قامت بحقن جسيم مرتبط بالشعور بالضغط في أدمغة بعض الجرذان ووجدت أن هذا أفضى إلى توليد مرحلتين من إطلاق السيروتونين. وأدت الموجة الأولى من السيروتونين إلى زيادة الشعور بالخوف لدى الجرذان بينما أفضت الموجة الثانية إلى تراجع هذا الشعور. وربما يعود ذلك لقيامها بتنشيط منطقة في الدماغ تسمى القشرة ما قبل الجبهية الوسطى والمرتبطة بتهدئة المخاوف.
          وقدمت الأبحاث الجديدة بعض اللمحات عن الكيفية التي تعمل بها أدوية مثبطات إعادة أخذ السيروتونين الانتقائية؛ فقد تبين أن لهذه الأدوية تأثيرات مهدئة على المدى الطويل، بالرغم من أننا نحتاج إلى مزيد من الدراسات لمعرفة كيف يحدث ذلك.
          ولكن على المدى القريب، اشتكى بعض الأشخاص الذين يتعاطون مثبطات إعادة أخذ السيروتونين الانتقائية من أنهم يشعرون بقلق متزايد. ويقول لوري إن هذا سببه بالتأكيد نشاط أحد هذه المجموعات من العصبونات السيروتونية.
          وبما أن الانتحار مرتبط بازدياد التهور، فإن الأفكار الانتحارية التي يدعي متعاطو مثبطات إعادة أخذ السيروتونين الانتقائية أنها تراودهم من الممكن أن تعزى أيضا إلى تزايد مستويات السيروتونين. ويقل لوري: «من الممكن أن تؤثر بعض أنواع مثبطات إعادة أخذ السيروتونين الانتقائية على المناطق المسئولة عن التهور في الدماغ.
          وسيقود المزيد من معرفة هذه المجموعات المختلفة من العصبونات السيروتونينية إلى علاج أفضل لاضطرابات الاكتئاب والإرهاق. ويقول لوري: «إنه من الممكن تصميم أدوية خاصة تستطيع إيقاف وتشغيل مجموعات معينة من العصبونات التي يتم تحريرها من الإرهاق أو الإحباط».
          وكان التعرف على مادة السيروتونين قد أحدث ثورة في علاج مرض الكآبة. حيث لوحظ أن معظم المصابين بالكآبة يمتلكون نسبة أقل من المستوى الطبيعي للسيروتونين في الدماغ، الأمر الذي أفضى إلى اختراع جيل جديد من الأدوية التي تقوم برفع مستوى السيرتونين في الدماغ.




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق