الجمعة، 30 نوفمبر، 2012

• فيلم فتح القسطنطينية... معلومات، تحليل ونقد




يعتبر المؤرخون أن أهم حدثين تاريخيين في العالم هما فتح القسطنطينية عام 1453 م واكتشاف أميركا عام 1492 م وذلك من حيث نتائجهما على العالم بأكمله. من هنا كان فيلم فتح القسطنطينية مرتقبًا من المسلمين ومن الأجانب، فهل نجح الفيلم في توصيل رسالته؟

عرض الفيلم وإيراداته
صار فيلم "فتح القسطنطينية" منذ بدء عرضه في تركيا بتاريخ 16 فبراير/شباط ، أكثر الأفلام مشاهدة في تاريخ السينما التركية بعد أن أصبح عدد مشاهديه بالملايين. كما حقق الفيلم رقما قياسيًا في ألمانيا على الرغم من تحديد سن مشاهديه بمن هم أكبر من 16 عامًا ايضًا، وقد قدِّر عدد مشاهدي الفيلم خلال أسبوع واحد 623 ألفا و396 مشاهدًا، وتجدر الإشارة إلي أن أحداث الفيلم تدور حول فتح السلطان العثماني "محمد الفاتح" لمدينة القسطنطينية عاصمة الدولة البيزنطية عام 1453
المخرج والأبطال
والفيلم من إخراج وإنتاج فاروق أقصوي، وبطولة دفريم أفين بدور السلطان محمد خان الثاني، وإبراهيم جوليكول بدور المقاتل حسن أولباتلي، وجنكيز جوشكون بدور القائد الجنوي جيوفاني جوستنياني، وإيردان ألقان بدور الصدر الأعظم خليلي جندرلي باشا، ورجب آكتوغ بدور إمبراطور القسطنطينية.
تكلفة الفيلم وتقديرات الجماهير
وقد تلقى الفيلم تقديرات جماهيرة جيدة، وتقييما فنيًا لا بأس به، وكونه أول فيلم تركي ضخم الانتاج يتحدّث عن معركة فتح القسطنطينية جعله حاسمًا لترقب الجماهير الواسعة، سواء في تركيا أو الوطن العربي، بل وفي أوروبا وأمريكا كذلك. ومما لا شك فيه أن مجرد الخوض بشكل جدي بمسألة تتناول الدولة العثمانية بانفتاح في تركيا- التي لمّا تخرج من رداء علمانيتها بعد- يتطلب جرأة كبيرة من صنّاع الفيلم الذي أنفق عليه ميزانية تقدر بـ 18 مليون دولار تقريبًا، واستغرق تصويره مدة ثلاثة أعوام، مما يجعله أكثر الأفلام تكلفة في تاريخ السينما التركية.
تقليد السينما الأميركية
وإذا أردنا أن ننظر للفيلم بعين ناقدة، فإن فكرة تقليد السينما الأمريكية بأفلامها الحربية التاريخية تسيطر على النظرة العامة للفيلم. وإذا أخذنا في الاعتبار مدى التزييف أو التحوير الذي تتعمده السينما الأمريكية والغربية للمنظور التاريخي، فإن هذا الفيلم التركي حاول أن يتبنى القالب الغربي ولكنه وضع الكثير من المعلومات التاريخية الصحيحة لهذه المرحلة التاريخية من عمر الدولة العثمانية، وإن اختلف ترتيبها الزمني شيئًا ما عن الروايات التاريخية. وأي عمل درامي أو سينمائي، مهما بلغ طوله الزمني، لا يمكنه أن يغطي جميع الأحداث التي تغطي فترة معينة، ولكنه عندما يتبني منظورًا دراميًا ما عليه ألا ينجرف به بعيدًا عن الحقائق التاريخية المثبتة -كما يفعل عادة المخرج البريطاني ريدلي سكوت- فمثلا لا داعي بأن يذكر المخرج أن أول عمل قام به السلطان محمد الفاتح بعد تنصيبه هو قتل أخيه الرضيع، "حتى لا تحدث فتنة في بيت الحكم" كما تذكر المصادر التاريخية، ولهذا فإنني أعتقد أن المخرج فاروق أقصوي نجح بهذه المعادلة عبر تناول ما يفيد بمسألة فتح العاصمة البيزنطية المترنحة، وإقصاء النقاط التي لا تعتبر مؤثرة بهذه المسألة.
الجانب الديني في الفيلم وأهمية حديث الرسول
ومن جانب آخر، لم يهمل المخرج الجانب الديني والذي كان مهمًا بلا شك في هذا الفتح الكبير. فبداية الفيلم اتخذت هذا الشكل الروحاني باللغة العربية عبر حوار الصحابي الجليل أبو أيوب الأنصاري مع رسول الله عليه الصلاة والسلام (لم يظهر الرسول متجسدا على الشاشة) ثم نقله لحديث الرسول عن فتح القسطنطينية مع رفاقه من الصحابة حسب الرواية الصحيحة: "لتفتحن القسطنطينية، فلنعم الأمير أميرها، ولنعم الجيش ذلك الجيش"، وهو ما أوضح الجانب الديني الدافع لهذا العمل الكبير. ولم يغفل المخرج عن إسباغ الهالة الدينية لمحمد الفاتح ذاته، حيث أوضح علاقته القريبة بشيخه ومعلمه الديني الشيخ آق إبراهيم شمس الدين وهو شيخ دمشقي لُقّب بالشيخ الأبيض كما يبدو (آق بالتركية تعني أبيض). فهذا الشيخ الجليل كان ينظر له السلطان محمد نظرة سامية وعظيمة وهو الذي قام بتربيته وتعليمه حينما كان صغيرًا.
لقطات تخدش الحياء
ولكن المخرج، وللأسف، حشر بعض اللقطات المفسدة لجو الفيلم العام، حيث أراد أن يضفي بعضًا من اللمسات الرومانسية عبر خلق علاقة وهمية ليس لها سند من التاريخ بين المقاتل حسن أولباتلي وبين ابنة صانع المدافع أوربان المجري. ثم أنه أضاف بعض اللقطات الماجنة للإمبراطور قسطنطين مع جارياته، ربما لكي يقول أن الفيلم ليس دينيًا بل درامي بالدرجة الأولى. وعلينا أن ندرك أن السينما التركية يمتلأ تاريخها بهذا التوجه التغريبي السلبي، رغم أن كثيرًا من الأفلام التركية الحديثة بدأت بالتخلص من هذا الإرث التغريبي المفتعل والدخيل.
دور المدفع العملاق
وعمومًا، نجح العمل حسب رأي النقاد بعرض هذا الفتح الجبار، وجعلنا نقف على العديد من الأشياء التي سمعنا وقرأنا عنها بفتح القسطنطينية مثل المدفع العثماني العملاق الذي دكّ أسوار المدينة وجعلها تتهاوى بالنهاية. ومن المهم أن نعلم أن هذا المدفع كان مخصصًا للمعارك الأوروبية ولم يستخدمه العثمانيون بحروبهم التالية مع الصفويين أو المماليك عند فتح مصر عثمانيًا، وذلك لصعوبة نقله لأماكن بعيدة حيث يتطلب جرّه من 30 ثورًا وستين رجلاً على الأقل.
معجزة نقل السفن في البر
وجعلنا الفيلم نرى العمل الإعجازي الذي حققه العثمانيون وفاجأوا به خصومهم البيزنطيين، وهو نقل سفنهم الحربية عبر البر بعد أن فشلت في التخلص من السلاسل الكبرى التي كانت تعترض طريق الدخول من المضيق الذي يفصل ضفتي البوسفور والمسمى "القرن الذهبي".
شاهدوا الفيلم... واتركوا تعليقاتكم....




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق