السبت، 10 نوفمبر، 2012

• المصارعة الحرة «هوس» يؤثر سلبًا على سلوك الأطفال



أثر العنف على سلوك الأطفال
يؤكد كثير من الدراسات التربوية الحديثة أن الصغار الذين يحرصون على مشاهدة المصارعة الحرة على شاشات التلفاز، أصبحوا أكثر ميلا للعنف والتصرفات العدوانية مقارنة بالأطفال الآخرين، أو مقارنة بسلوكياتهم السابقة هم أنفسهم، وأن الإناث كن أكثر تأثراً من الذكور بهذه الظاهرة.

 كما أكدت دراسة أشرف عليها كيمبرلي تومسون البروفيسور في مدرسة الصحة العامة بجامعة هارفارد الأميركية، أن الصغار الذين شاهدوا برامج المصارعة أكثر عرضة لتبني العنف بما في ذلك حمل الأسلحة والعراك عند الخروج مع الأصدقاء نتيجة الخبرات التي يتعرضون لها. وتشير الدراسة إلى أن 63% من الذكور و35% من البنات شاهدوا برامج المصارعة خلال فترات الاستطلاع، وأن 25% من الذكور و9% من البنات شاهدوا هذه البرامج ست مرات أو أكثر. ووجدت الدراسة أن زيادة عدد مرات المشاهدة كانت مرتبطة بمشاكل سلوكية، وأن المراهقين يتأثرون بما يشاهدونه في مشاجراتهم مع الأصدقاء، وأن الأشكال الأخرى من العنف تزيد عندما يزيد التعرض للعنف.
إن المشكلة الأهم في مشاهدة الصغار لأفلام المصارعة الحرة، ذلك التوحد الغريب بشخصيات وسلوكيات وعنف بعض المصارعين الذين استطاعوا إحداث تأثير ما في قلوب الصغار، وشدهم إليهم، وشغفهم بحركاتهم وعنفهم وتصرفاتهم، وبدوا أمامهم كأبطال «أسطوريين» في عالم القوة والقدرة على التحمل، واستطاع هؤلاء النجوم أن يستحوذوا على اهتمام وشغف الصغار بالحرص على متابعتهم، واقتناء أفلامهم، وتزيين صدور ملابسهم بصورهم وأسمائهم وحركاتهم المثيرة.
خبرات مكتسبة
يوضح الخبير النفسي العالمي الدكتور بنيامين سبوك، هذه الخبرة المكتسبة، ويقول: «إن الطفل الذي يتعرض لمشاهد العنف في لعبة المصارعة غالباً ما يقلد العنف الواقعي، وليس العنف الخيالي، فالعنف الذي يمكن أن يقع في حياة الناس اليومية، كالمشاجرات واستخدام الأسلحة مثل الآلات الحادة والمسدسات، إضافة إلى المطاردات التي تستخدم فيها السيارات وغيرها من أنواع العنف الواقعي، هو الذي أثبتت الدراسات أن النسبة الكبرى من الجمهور تتعلمه، وتميل إلى تقليده، أما العنف الذي تعرضه بعض قصص الخيال العلمي وحرب النجوم، وغيره من أنواع العنف الذي هو من صنع خيال الإنسان، ولم يشاهد مثله في الواقع، فإن نسبة من يعمد إلى تقليده من الجمهور قليلة جداً».
ويضيف سبوك:«الطفل في عامه الأول أو الثاني نجده يميل كثيراً إلى أسلوب "العض"، مع أول هجوم عليه للدفاع عن نفسه، خاصة مع الأكبر منه سناً، كما أنه يحاول أن يضرب الخصم بأي شيء ثقيل أو يوقعه على الأرض. لكن عندما يصل الطفل إلى عامه الثالث أو الرابع فإننا نستطيع أن نلاحظ أن الطفل ينحو بأسلوبه العدواني منحى آخراً، ويبدو أكثر نضجاً، فالطفل طيب القلب ذو المشاعر الرقيقة لا يرد العدوان فوراً إنما يحاول من البداية أن يستفسر وأن يحتج، وقد يرد العدوان بعد ذلك».
ويكمل سبوك: «الدراسات التربوية والمعطيات السلوكية تشير إلى أن الطفل الذي لم يبلغ الثالثة من العمر لا يملك نزعة عدوانية تجاه غيره، ولا يميل إلى القسوة أو الأذى إلا إذا علمه أحد المحيطين به هذا اللون من السلوك وشجعه عليه. كثيراً ما نسمع شكوى بعض الأمهات من أن طفل إحداهن لا يستطيع الدفاع عن نفسه، أو أنه يعجز عن رد هجوم الأطفال الآخرين عندما يضربونه وعندما يعبثون باللعبة التي يملكها. وأنه يغرق في الحيرة ويبكي ويطلب الحماية. شكوى الأمهات هذه تعكس الإحساس بالمرارة والخوف من أن ينمو الطفل على إحساس بأنه كائن ضعيف، بقدر ما تحمل من ميول عدوانية مبطنة لدى هؤلاء الأمهات».
محاكاة وتقليد
ويرى الدكتور محمد الجارحي، استشاري الطب النفسي في أبوظبي أن الطفل يتعلم ويكتسب كثيراً من العنف من وسائل الإعلام، لكنه لا يعمد إلى محاكاته وتقليده إلا في حالات الإحباط النفسي، وحينما تستثار عواطفه ومشاعر السخط والغضب لديه؛ أي أن الإنسان لا يعمد إلى تطبيق السلوك العدواني الذي لاحظه في وسائل الإعلام تلقائياً وبشكل مباشر، فالذي يحدث أن الإنسان في حالة الهياج العاطفي، كالغضب والتوترات النفسية التي تحدث له لأي سبب من الأسباب، يسترجع ما لاحظه واستوعبه في ذاكرته من مشاهد العنف التي عرضتها وسائل الإعلام، وسائل الإعلام هنا قد لا يكون دورها دفع الفرد إلى ممارسة العنف، وإنما مثلت مرجعية لذلك الفرد في نوع العنف الذي يمكن أن يقوم به في مثل هذه الحالات، وكيف يقوم به، وربما كيف يفلت من العواقب التي تترتب على ممارسة سلوك عنيف مثل هذا الذي قام به. وتكرار التعرض لمشاهد العنف في وسائل الإعلام يؤدي إلى تبلد أحاسيس الناس تجاه العنف والسلوك العدواني.
وعدم المبالاة وانعدام الإحساس تجاه السلوك العنيف الذي تعرضه وسائل الإعلام يجعل الناس أكثر ميلاً إلى التسامح مع العنف بكل أنواعه، وبخاصة ذلك الذي يحدث في الواقع المعيش، كما أن مداومة التعرض للسلوكيات العنيفة التي تقدمها وسائل الإعلام تولد لدى الناس الاستعداد لارتكاب أعمال عنف، فمثلاً يؤدي الاستمرار في مشاهدة الأفلام التي تعرض الجريمة بكافة أشكالها العنيفة إلى وصول الفرد إلى حالة يهون فيها عنده شأن الجريمة، فلا يعود يثير لديه أي اهتمام تصاعد مستوى الجريمة في المجتمع، بسبب تبلد إحساسه، إضافة إلى أن بعض الأفراد قد يتأثرون بقدرات وذكاء المجرم، كما تعرضه الوسيلة الإعلامية فيتقمصون شخصيته، وقد يحاكون نتيجة لذلك بعض السلوكيات العنيفة.
الاندماج والانصهار
تحذر الاختصاصية النفسية منى اليافعي من عامل الاندماج والانصهار الذي يصيب الأطفال من جراء مشاهدة المصارعة الحرة بكثرة، وتقول: ثمة خطورة شديدة من عامل الاندماج، أو انصهار الأطفال الصغار مع هذه الأفلام ومع أبطالها، الأمر الذي يترك تأثيره السلبي في سلوكهم وتعاملهم مع الغير. وباعتبار أن مشاهد العنف الخيالية تعرض بشكل مبالغ فيه، فهي تتغلغل عميقاً في نفوس محبيها، وفي مقدمتهم الأطفال الذين يسعون جاهدين إلى تعلّم حيلها وتقليد أبطالها بطرق مختلفة. وهنا ينبغي التشديد على أهمية دور التقليد في خفض قدرات التحكم العقلانية، وتنمية الميول غير السوية. وعلى هذا الأساس، يتعلم المشاهد من دون وعي منه أساليب العدوان التي يتبعها المجرمون، الأمر الذي يؤدي به أحياناً إلى الانحراف.
إن أفلام العنف تولّد لدى المشاهدين حالات من الإثارة التي تتفاوت حدتها وفق وضعهم النفسي. وهنا تجدر الإشارة إلى أن الأطفال هم الأكثر تضرراً لأنهم يستجيبون للإثارة بعفوية مطلقة، ويقعون في دوّامة العنف الذي قد يدمّر حياتهم ومستقبلهم. وكما تورد الدراسات، فإن الأمثلة الحيّة على ذلك كثيرة، منها حوادث تعرّض لها أطفال لا ذنب لهم سوى أنهم وقعوا فريسة العنف التلفزيوني. فمنهم من ألقى بنفسه من النافذة في محاولة لتقليد الأبطال، ومنهم من آذى رفاقه، أو قتل حيواناً أليفاً من دون رحمة.
وتكمل اليافعي: «يرى الباحثون في هذا المجال أن مشاهد العنف المتمثلة بسلوك الإجرام، تعزز الاستعدادات العدوانية الكامنة لدى المشاهدين وخصوصاً إذا كانوا من الذين تعرضوا في صغرهم للعنف التربوي، وعلى هذا الأساس يتم الاستنتاج أن الأفلام المشار إليها، ليست المسؤولة الوحيدة عن تأجيج العنف لدى المدمنين على مشاهدتها، بل تعتبر عنصراً داعماً للاستعدادات الوراثية والمشاكل الاجتماعية والاقتصادية والتربوية. ويشير البعض إلى عوامل ذات صلة وثيقة بالعنف السلوكي الناجم عن مشاهدة أفلام العنف وفي مقدمتها حالة الفرد النفسية، ومعدل الذكاء والطباع، هذا بالإضافة إلى الانحرافات السلوكية والتربوية».
التلفزيون ومشاهد العنف
هناك بحوث كثيرة تؤكد أن رؤية هذه المشاهد العنيفة في التلفزيون لها تأثير طويل المدى على الطفل، وربما صارت له صفة ملازمة لا يستطيع التخلي عنها. ولنعرف مدى انتشار هذه الأفلام، علينا أن نجلس يوماً من الأيام أمام التلفزيون، ونقلب في محطاته العربية والأجنبية، حيث لا تكاد تخلو قناة من الأفلام الأميركية، من مَشاهِد العنف والإثارة التي تعتبر أولى صفاتها.
وتأتي التلفزة الفرنسية في الدرجة الثانية بين القنوات ناشرة العنف، بعد الولايات المتحدة الأميركية. وفي إحصائية خلال أسبوع واحد للتلفزيون الفرنسي تبين أنه ورد فيه: (67) حالة قتل، و(15) حالة اغتصاب، و(848) اشتباكاً بالأيدي، و(419) اشتباكاً بالبنادق أو انفجاراً، و(14) عملية اختطاف، و(11) عملية سلب، و(8) انتحارات، و(32) عملية أخذ رهائن، و(27) مشهد تعذيب جسدي، و(18) حالة إدمان على المخدرات، و(9) حالات خلع وكسر، و(13) محاولة خنق، و(11) مشهداً حربياً، و(111) حالة من التعري الكامل، و(20) مشهداً غرامياً مبالغاً فيه. ويتعرض الناشئ الجالس أمام التلفزة الفرنسية على مدى ساعتين أسبوعياً إلى ارتشاف مائة ألف من أعمال العنف قبل بلوغه سن الرشد.
والطفل الأميركي لا يكاد يبلغ سن الثانية عشرة حتى يكون قد استهلك (12000) حالة قتل متلفزة، أي بمعدل ست حالات قتل كل ساعة، وقد أحصيت هذه الأرقام كمعدل لدراسة (15000) أسرة». (نزها الخوري، أثر التلفزيون في تربية المراهقين، بيروت، دار الفكر اللبناني، ط1، 1997م، ص194). والأطفال بعد هذه المشاهد يقومون من أمام هذا الجهاز المعلِّم ليطبقوا ما تعلموه من أبطال الأفلام، وذلك عن طريق التقليد والمحاكاة.
العنف يعبث بفطرة الأنثى وعقلها ونفسيتها
وقد أجرى علماء النفس بعض التجارب على الأطفال الذين يشاهدون برامج العنف والمصارعة الحرة، وكان منها أنهم «عرضوا واحداً من الأفلام العنيفة على مجموعة من الأطفال، ثم قدمت لهم دمىً تشبه تلك التي عرضت في الفيلم، فعاملوها كما عاملها الممثلون، فمزقوها إرباً إرباً، وأعطيت نسخ أخرى من هذه الدمى لأطفال لم يشاهدوا الفيلم، فلم يعاملوها بعنف».
ومن الأمور المدهشة أن هذه الأفلام لم تؤثِّر فقط في عنصر الذكور، لأن بعضهم يرون أن هذه الأفلام تناسب الذكور، الذين يحبون العنف واستعراض القوة، حيث يجدون ضالتهم فيها، وتغذي عندهم الميول العدوانية. ولكنها أثرت في عنصر النساء، واستطاعت هذه الأفلام أن تعبث بفطرة المرأة وعقلها ونفسيتها، وأصبحنا نسمع أخبار عصابات من النساء، تحمل السلاح، وتقوم بالقتل، أو الإيذاء الجسدي. ففي بريطانيا مثلاً «نرى أن عصابات المراهقات والنساء تهدد أمن لندن، وأن نسبة الجرائم التي ترتكبها الفتيات أكثر من الجرائم التي يرتكبها الفتيان»، ويرجع السبب في ذلك- حسب قولهم- إلى الحرية الفردية التي يتمتعن بها، ولبرامج التلفزيون الشاذة. وتشير الدراسات التي أجريت في كثير من الدول الغربية إلى أن ظاهرة العنف تفشت مؤخراً في المجتمعات الحديثة، نظراً لانتشار موجة أفلام العنف والرعب، واعتماد أفراد الأسرة على التلفزيون والفيديو إلى حدٍّ كبير في تمضية وقت الفراغ، بدلاً من اللجوء إلى الهوايات والقراءات المفيدة، مثلما كان يحدث في الماضي.
                                                               خورشيد حرفوش





ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق