الثلاثاء، 6 نوفمبر، 2012

• الصداقة على الفيس بوك... حقيقة أم وهم



 بضغطة زر يمتلك مستخدم شبكة «فيسبوك» الاجتماعية إمكان أن يقبل «صداقة» أي شخص من مستخدمي الشبكة أياً كان مكانه، وأياً كانت خلفياته الثقافية والاجتماعية، وبضغطة زر أخرى يمكن للفرد ذاته أن «ينهي صداقة» أي شخص عبر الضغط على إمكان  UnFriend، الشهيرة والمعروفة بالنسبة لمستخدمي الشبكة. فهل هناك بالفعل قواعد مختلفة للصداقة الافتراضية على شبكة الإنترنت تختلف عن المعايير العامة لمفهوم الصداقة في الواقع الحقيقي؟

          بداية تنبغي الإشارة إلى أن خاصية «فك الصداقة» أو إلغائها هي خاصية أضيفت لمستخدمي الشبكة الاجتماعية «فيسبوك» قبل فترة وجيزة، لكنها استخدمت بالفعل بشكل كبير من قبل المستخدمين العرب وغير العرب وبشكل كبير، وهو ما أثار انتباه بعض المتخصصين في دراسات العلوم الإنسانية الغربية والأمريكية أخيرا، ولكنه كالعادة لم يلفت انتباه أحد في عالمنا العربي من جهة البحث والدراسة الأكاديمية.
          على سبيل المثال كان موضوع «فك الصداقة» لافتا وبشكل كبير خلال الفترة التي أعقبت اندلاع رياح التغيير في العالم العربي، ليس فقط من خلال استخدام هذه الخاصية، بل وبما يسبقها من ألوان من التحذير التي يمارسها الكثير من المستخدمين بإعلانهم أنهم سوف يقومون بإلغاء صداقاتهم لأي شخص يقول كذا أو كذا، والأسباب تتراوح بين إعلان شخص لانحياز طائفي مثلا، أو اختلاف حول تأييد شخصية سياسية، أو اختلاف حول تأييد جماعة سياسية وما شابه ذلك.
          المعنى هنا أن الشخص يضع حدا لعلاقاته الافتراضية بأشخاص بسبب تباين الآراء والاختلاف حول قضايا يرى الفرد أنه ليس مستعدا حتى أن يصادق شخصا لا يتوافق مع رؤيته في هذا الموضوع أو ذاك، وهي عادة ما تكون قضايا ذات طابع خلافي أو جدلي كما أشرت، كأن يرفض شخص مثلا ممارسات جماعة مثل الإخوان المسلمين في مصر ويرفض أن يوجد في قائمة أصدقائه من يتبنى فكر الجماعة أو ينحاز لها أو يدافع عنها، أو العكس، كأن يضع شخصا ينتمي لجماعة مثل الإخوان مثلا حدودا لصداقته لأي شخص تظهر على انطباعاته ميول علمانية أو حتى عدائية تجاه الإخوان. وهذا مثال واحد للتوضيح، لكن هناك الكثير من النماذج الأخرى للاختلاف سواء مثلا، لتأييد العسكر في مصر أو الاختلاف معهم، أو تأييد أي من رموز النظام السابق في مصر أو تأييد رموز الثورة المصرية الى آخر كل هذه الاختلافات. أما الاختلافات الطائفية والقبلية فهذه قد تتحول إلى معارك كلامية صاخبة، يتم فيها تداول كل ألوان السب والشتائم المتخيلة وغير المتخيلة، بحيث يكون من الجيد بالفعل للأطراف المختلفة أن تتواجه افتراضيا فقط، إذ إن افتراض تواجهها في الواقع في مثل هذا النوع من الجدل كفيل أن يوقع بينهم ما قد لا يحمد عقباه!
اختبار للصداقة
          لكن هل يكون الشخص قادرا على حذف صديق من قائمة أصدقائه بضغطة زر لأن ذلك الصديق، في النهاية، مجرد شخص افتراضي بنيت علاقتهما الافتراضية بضغطة زر، وبالتالي من السهل إنهاء صداقتهما بالسهولة نفسها؟
          الحقيقة أن الإجابة ليست بالبساطة التي يبدو عليها السؤال، لأن ما يحدث في موضوع حذف الأصدقاء الافتراضي لا يتوقف على الصداقات الافتراضية فقط، بل ينسحب كذلك على صداقات أخرى هي في الأساس صداقات واقعية وربما تاريخية أحيانا تربط أشخاصا في الواقع بصداقة متينة أو على الأقل بدرجات متفاوتة ما بين الزمالة والصحبة أو المعرفة الوثيقة، لكنها كلها في النهاية بدأت تتعرض للانتهاء أمام اختبار «الاختلاف» الافتراضي!
          هنا دلالة يمكن الوقوع عليها ببساطة وهي أن الظاهرة في جانب منها تعبر عن عدم شيوع ثقافة الحوار والاختلاف في الذهنية العربية بشكل عام. وصحيح أننا نعيش في عصر ما بات يعرف بـ «الربيع العربي» غير أن ما خلفه الخريف العربي الديكتاتوري من تخلف وقمع للآخر وغياب مفاهيم التنوع والتعدد وما يترتب عليها من شيوع لثقافة الاختلاف والحوار هو الإرث الحقيقي الذي يتوارثه الجميع الآن مع الأسف. وهو ما يشير بشكل ما إلى استمرار ظاهرة استخدام العرب للمنتج الغربي لكن بالشكل السلبي، فمن المفترض من الشبكات الاجتماعية تدعيم فكرة التواصل الثقافي، وتوسيع زاوية وآفاق الأفراد عبر التعرف على أفكار جديدة ومختلفة وربما ثقافات أخرى من خلال الاتصال مع مستخدمين من جنسيات أخرى، وربما يدينون ويعتقدون في معتقدات مختلفة، ما يوفر مناخا جيدا للتعددية وترسيخ ثقافة الاختلاف والحوار، لكن العرب، أو كثيراً منهم ينقلون إلى الشبكة، آفتهم الممثلة في التعصب وضيق الأفق والإقصاء مع كل ما هو مختلف.
عوامل الاختلاف والاتفاق
          أما الدلالة الثانية التي يمكن الوقوع عليها، فهي هشاشة فكرة الصداقة نفسها التي تجعل المستخدم العربي يضم لقوائم صداقاته على الشبكة الاجتماعية أعدادا من الأفراد لا يمكن لشخص أن يستوعبهم في الواقع كصداقات، إذ يتجاوز عددهم الآلاف وليس حتى المئات. وهو ما يعني ضمنيا استهتارا بقيمة «الصداقة» كعلاقات مبنية على الثقة المتبادلة والمسئولية. إضافة إلى إغفال حقيقة أن الشخص ووفقا لدراسات سيكلوجية لأستاذ الانثروبولوجي في جامعة أوكسفورد روبين دانبر ، لا يمكن لعقله التحكم في إدارة صداقات تتجاوز 150 شخصا. وبالتالي ففي تصور الشخص قدرته على صداقة الآلاف نوع من التطرف عد رؤية الصداقة من وجهة نظر موضوعية.
          كما أنه من الطبيعي أن نضع في الحسبان أن الصداقات الافتراضية في الحقيقة كثيرا ما لا تراعي الاختلافات العمرية بين الشخصين أو الاختلافات البيئية أو المرجعيات الثقافية لكل منهما. كما أن هناك صداقات تبدأ من قبل الرجال لمجرد وجود صورة تدل على جمال صاحبتها، أو لكون هذه المستخدمة الجميلة هي صديقة مشتركة لصديق أو أصدقاء آخرين لأحد المستخدمين، والعكس، أي يمكن لفتاة أن تطلب صداقة مستخدم ثقة في أنه صديق مشترك لإحدى صديقاتها أو لمجرد أنه يبدو وسيما مثلا. وبالتالي لا تقوم هنا الصداقة في الحقيقة على أي معيار موضوعي، بل على مجرد أوهام الصورة.
          وكذلك هناك عامل آخر يختص بفكرة أن الشخص على الإنترنت، أو الشخصية الافتراضية تتمتع بالاختلاف عن الشخصية الواقعية لأنها تتخلص من قيود الأخيرة في الواقع، وتمنح الشخص الحرية الكاملة في التصرف بالطريقة التي يتمنى أن يكون عليها وليس تلك التي تميز أداءه الواقعي. بالتالي يمكن أن يكون أكثر حدة في التعبير عن آرائه أو أكثر جرأة، وقد يصل إلى حد التطرف إذا كان يخفي هويته الحقيقية تماما.
          ويبدو أن هذه الظاهرة الأخيرة لا تتوقف على مفهوم الثقافة الافتراضي الذي يتعارف وفقا له شخصيات ذهنية أو بمعنى آخر شخصية تعبر عن نفسها بالكلمات والأفكار فقط تعطي انطباعات قد تتناقض مع المواصفات الحقيقية للأشخاص في الواقع، بل تمتد حتى لمفهوم الصداقة في الحياة الحقيقية، فحين تختل علاقة صداقة واقعية بين شخصين واقعيين بسبب حوار واختلاف في الرؤى يتم تداوله إلكترونيا أو افتراضيا فهذا يعني أن ثمة خللا من البداية في العلاقة الواقعية بين الطرفين.
          وبطبيعة الحال، وبسبب حداثة الظاهرة لم تتم الكثير من الدراسات على الموضوع، وإن كانت هناك دراسات مبدئية في الحالة الأمريكية تأملت الظاهرة وحاولت عمل نوع من الاستقصاء مبني على الأسباب التي يذكرها الأفراد وأكثرها شيوعا بالنسبة للأمريكيين، مثلا الاختلاف على فكرة التدين وعدم التدين، أو الاختلاف على مسألة زواج المثليين من عدمه والتي تسببت وفقا لإحصائية أمريكية في قيام 45 بالمائة من عينة الدراسة بهدم علاقات الصداقة بينهم وبعضهم البعض إضافة لأسباب أخرى مثل وضع الأشخاص لتعليقات ذات طابع استعراضي أو استفزازي، أو لأنهم يحاولون بيع أو الدعاية لخدمات أو منتجات، وأخيرا وليس آخرا لأنهم اكتشفوا عدم معرفتهم بهؤلاء الأشخاص بشكل جيد.
معايير وضوابط
          وبالرغم من أن إدارة «فيسبوك» كانت وضعت بعض المعايير التي يقيم بها المستخدمون لصداقاتهم على الشبكة، مثل التأكد من أن طالب الصداقة على معرفة مسبقة بالشخص الذي يطلب صداقته، وغير ذلك من سبل الفلترة، لكن هذا في النهاية لا يستمر طويلا، لأن شبكة «فيسبوك» رغم إمكاناتها الهائلة في دعم الحوار العالمي وتوسيع شبكة التواصل الإنساني عالميا تخضع أيضا لمنطق السوق والربح، وكون أن أحد الأشخاص يمتلك آلافاً من الأصدقاء يعني، بالنسبة لقطاع المعلنين أنه شخص «مؤثر» على نحو أو آخر في تفضيلات الآخرين. وهناك فرق تسويق مختصة كما تكشف دراسات منشورة، وبينها تقرير نشرته مجلة «نيوساينتست» المختصة بالعلوم، يقوم بدراسة سلوك مستخدمي «الفيسبوك» وبحث الأشخاص الذين يتمتعون بالتأثير أو القيادية بحيث يتم وضع أنواع معينة من الإعلانات التي تخص «فيسبوك» وفقا لمدى تأثير هؤلاء الأشخاص ونفوذهم في قوائم المستخدمين.
          وبالرغم من الإمكانات الهائلة التي يمكن أن تتيحها شبكات التواصل الاجتماعي لجهات بحثية مثل المركز القومي للبحوث الاجتماعية، أو لأقسام دراسات علم النفس مثلا من ظواهر وسلوكيات يمكن اختبارها للتعرف على التغيرات التي تتعرض لها الشخصية المصرية والشخصية العربية بشكل عام، ومن خلال الجهات الأكاديمية الشبيهة، فإنه لا يبدو لي أن ذلك قد تم بشكل جاد حتى الآن بالرغم من الأهمية القصوى لهذا النوع من الدراسات في هذه المرحلة المهمة تاريخيا في المجتمعات العربية حيث تختلط الأمور وتتشوش العقول بسبب عدم الإدراك الحقيقي لفكرة التغيير، وما يترتب عليها من هدم قيم مستقرة وبناء أخرى جديدة.
          فلا يمكن أن تظل الانطباعات الفردية التي يقوم بها بعض الكتاب أو المحللين وحدها كافية لدراسة المجتمعات العربية اجتماعيا وسيكلوجيا وبناء تصورات دقيقة عن السلوكيات الذهنية وتفسيرها بشكل منهجي وعلمي. ويمكن من خلالها أيضا عمل خطط مؤسسية أو حتى قومية لطرح حلول لمقاومة آفات اجتماعية تظهر الآن على الساحة الاجتماعية العربية بشكل مخيف مثل آفة التعصب الديني أو الطبقي أو سوى ذلك وغياب الأفكار التي ترسخ مفاهيم التسامح والتعدد وقبول الآخر والتعايش بين المختلفين.
نتائج صادمة
          على سبيل المثال فإن إحدى الدراسات المختصة بدراسة موضوع التواصل الاجتماعي في الولايات المتحدة وجدت أن التيارات الليبرالية، أو بالأدق الأشخاص من ذوي التوجهات الليبرالية المنفتحة، تمثل النسبة الأكبر في ظاهرة "فك الارتباط" أو تدمير الصداقات والعلاقات بأشخاص يختلفون معهم في شئون السياسة بشكل عام.
          هذا المركز الذي أجرى الدراسة هو Pew Center for the Internet and American Life Project ، فقد توصلت الدراسة أن 16بالمائة من عينة الدراسة من الليبراليين يقومون بإلغاء صداقتهم بأشخاص يختلفون معهم، وهو ما يوازي ضعفي نسبة الشخصيات ذات التوجهات التقليدية والمحافظة والرجعية الذين يقومون بإلغاء من يختلفون معهم للأسباب نفسها.
          النتائج التي وصفت بأنها صادمة لا تزال محلا للدراسة والتحليل لفهم أسبابها، وفي النهاية فإن النتيجة تتعلق بالمجتمع الأمريكي، وقد علق الكثير من الليبراليين على نتائج الدراسة بالقول بأن العينة إما غير متجانسة أو أن نشر التقرير أو الدراسة له توجهات سياسية.
          لكننا في الوقت نفسه نحتاج إلى دراسات من هذا النوع لفهم السلوكيات الفردية في مجتمعاتنا بشكل أكثر عمقا وتحليلها بشكل أفضل لأهميتها في توضيح التغيرات السلوكية وتأثير سنوات القمع والمنع وشل قدرات المجتمعات العربية على مسلكها لبحث كيفية مقاومة كل تلك الآثار وعلاجها مستقبلا.
          ليس هذا فحسب، فقضايا الاتصال الاجتماعي في الحقيقة تتماس مع الكثير من القضايا المهمة وبينها مدى شيوع التسامح في المجتمع مقابل شيوع الفكر الإقصائي الطائفي، كما ترتبط ببيان وإظهار الكيفية التي يمكن بها التأثير في الأفكار السلبية بشكل إيجابي وحث الأفراد على استخدام طاقة التواصل في التفكير الإيجابي وفي تطوير أداء الفرد بحيث يصبح قادراً على الفعل الذاتي الإيجابي بدلاً من القيام فقط بالانتقاد والجدل السلبي الذي لا يسهم في أي حركة تغيير أو تنمية وتطوير.
          إن الشبكات الاجتماعية في الواقع توفر مناخاً لا يستهان به للدرس والتحليل لمن يرغب ويهتم، وهي في الحقيقة فرصة جيدة يجب على المؤسسات المعنية الاهتمام بها الآن خصوصا في هذا التوقيت الذي يتسم بزخم هائل في النقاش والأفكار والحوار والاختلاف.. والأمل في المستقبل مما يتوجب بحثه واستثماره.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق