السبت، 16 نوفمبر، 2013

• محمد بن سليمان بن علي بن عبدالله التلمساني.. الشاب الظريف.. شعراً وحياةً

وهذا شاعر من بين ثلة من الشعراء الذين ذهبوا ضحية عصرهم الذي وصم بأنه عصر الانحطاط الأدبي، فغابوا عن المشهد العام لكن قصائدهم ظلت تنبض في وجدان الشعر من دون أن يستطيع الحكم القاسي على العصر كله أن ينال من خلودها حتى وهو يقتص كثيراً من مجد كان ينبغي أن ينعم به شعراؤها.

ففي عصر المماليك خفتت شمس الأمة العربية في سماء الحضارة الإنسانية، وتوارت إنجازاتها وراء الدسائس والكمائن السرية التي ميزت هذا العصر سياسياً في أكثر من مدينة عربية.
لكن الموهبة لا يمكن أن تتوارى حتى وإن ظهرت في عصور مظلمة، بل لعلها تساهم في الإضاءة على ما يمكن الإشارة إليه من كنوز أخرى متوارية في ظلمة التاريخ كله. وشاعرنا امتلك موهبة شعرية عالية حلقت به بعيداً عن عصره برفقة مجموعة من مجايليه من الشعراء والأدباء الآخرين الذين اعتمدوا، ربما لأول مرة في تاريخ الأدب العربي، على أنفسهم وحرفهم الشخصية في تدبير أمور عيشهم بعد أن تخلت عنهم الدولة الرسمية بشكل جماعي. فعلى الرغم من أن الشعراء في العصر المملوكي ساروا في الغالب على طرق شعرية معبَّدة مسبقاً أمامهم من قبل من سبقوهم في مدح الأمراء والخلفاء ومسئولي الدولة، فإن هؤلاء الأمراء والخلفاء والمسئولين كانوا في جلهم من المماليك ممن لا يجيدون اللغة العربية ولا يحفلون بما يقال عنهم من فرائد شعرية لا يفهمونها، ولا يهتمون بالشعراء إلا بالدرجة التي توفر لهم قليلاً من مجد يستظهرون به أمام العامة ربما خجلاً من انتماءاتهم وتواضع نسبهم وحرصاً على توطيد علاقاتهم العربية الجديدة وتكريس مجدهم الفجائي المكتسب.
شاعرنا هو الشاب الظريف، هكذا عرف في كتب الأدب وبين محبي الشعر، فقد رحل عن دنيانا شاباً لم يكد يبلغ السابعة والعشرين من عمره، بعد أن ملأ أجواء القاهرة والشام بشعره وترققه وتظرفه.. فكان بحق هو الشاب الظريف في ديوان الأدب العربي، أما اسمه في التاريخ فهو محمد بن سليمان بن علي بن عبدالله التلمساني، والغريب أن لقباً آخر بمعنى يكاد يناقض المعنى الذي يحيل إليه معنى اللقب الأول عرف به الشاعر، من دون أن يثير ذلك استغراباً أو دهشة لدى من عرفه أو قرأ قصائده بتمعُّن. فهو الشاب الظريف وهو أيضاً ابن العفيف نسبة لوالده الذي كان شاعراً معروفاً باسم عفيف الدين التلمساني.
ولد الشاب الظريف في مدينة القاهرة، في العام 661هـ (1263م)، أما دمشق فقد كانت مرتع الطفولة ومهد الصبا ومكان الدراسة الأول، فقد تلقى دروسه الأولى في تلك المدينة العريقة، حيث كان أبوه عاملاً على خزانة المال فيها، ولأن والده من أهل العلم المعروفين فقد تتلمذ الفتى في البداية على يدي والده قبل أن يستشعر حاجته لمصدر مختلف، فقصد أهل العلم والأدب ومن أشهرهم ابن الأثير الحلبي ليتعلم على أيديهم، في سن مبكرة، علوماً مختلفة ظهرت آثارها واضحة جلية عبر قصيده الذي ازدحم بالمحسنات البديعية على عادة شعراء العصر كله آنذاك، ولكن هذه المحسنات لم تنجح في طمس عذوبة شاعريته التي تبدت في غزله الشعري الفاتن، ومدائحه في من اتصل بهم من مسئولي الدولة. لكن مديحه النبوي ذي العاطفة المتأججة في نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم هو درة ديوانه الشعري كما يبدو لنا.
وعلى الرغم من أن جل من جايله من الشعراء عرفوا بحرفهم العملية التي غلبت ألقابها على أسمائهم، لاضطرارهم إلى العمل الجدي الحرفي واليدوي على غير عادة الشعراء العرب في غير ذلك العصر المختلف، فإننا لم نعرف حرفة محددة لشاعرنا غير ما أشارت إليه بعض كتب عنه وترجم حياته، معتمدا على أدلة واهية، وهي حرفة الخط، فقد كان الشاب الظريف ذا خط حسن يشار إليه ويعد من مناقبه التي ذكرها والده وهو يرثيه. فانظر لموهبة كهذه ينظر إليها والد مكلوم على فقدان ولده الشاب فيعدها من مناقب الفقيد ويذكرها في سياق رثائه الحار له.
رحل الشاب الظريف في مدينة دمشق في العام العام 688هـ (1289م)، لكن أحداً ممن قرأت كتاباته عنه لم يذكر سبب وفاته بهذا العمر المبكر. إلا أن ما تركه وراءه من آثار شعرية تغنينا عن تفاصيل حياته، فقد ذهب الشاعر وبقي بين أيدينا ديوانه الشعري الذي طبع عدة طبعات وبتحقيقات عربية مختلفة، بالإضافة إلى بعض الآثار النثرية الأخرى ولم يتح لنا الاطلاع عليها، ونحن بصدد الكتابة عنه ومنها؛ خطبة تقليد، وعظ غير مهذب، ومقامات العشاق التي يشير بعض من كتب عنها إلى أنها تحتوي على الكثير مما سمي بالأدب الفاحش.. ولا فاحش في الأدب سوى ما ليس بأدب.
إقرأ أيضًا:
إبراهيم طوقان.. شاعر له عينا زرقاء اليمامة
ديكِ الجن.. ديك الشعر الفصيح
مالك بن الرَّيـْب.. يرثي نفسه





ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق