الخميس، 19 يوليو، 2012

اضطراب الهوية الجنسية عند المراهق

اضطراب الهوية الجنسية عند المراهق
          اعتُبرت حياة الكائن البشري بمنزلة سيرورة تستمد جذورها من الطفولة المبكّرة، حيث يتم تشكيل ما سمّي «المخططات المبكرة» Les schemas precoces، التي تستمد ماهيتها من الحاجات الإنسانية الأولية (حاجة الفرد للتماهي ولتأكيد هويته الجنسية بوجه خاص) وذلك، بالتفاعل مع العوامل العاطفية، المعرفية، الاجتماعية والبيولوجية، فيؤدي إشباع هذه الحاجات إلى تكوين مخططات أولية متكيفة أو، على العكس، إلى تكوين مخططات مبكرة غير متكيفة قد تكون مسئولة عن نشوء الاضطراب النفسي في المراحل اللاحقة من التطوّر كـ «اضطراب الهوية الجنسية، مثلاً» إن لم يتم إشباعها عند الطفل أو المراهق.
          يندرج هذا الإشباع ضمن إطار ما يسمّى «الصحة الذهنية» (أي مجموعة الاحتياطات الهادفة لاستتباب التوازن النفسي، لتدارك الاضطرابات الذهنية ولتسهيل عملية تكيّف الفرد مع محيطه). لكن، تجدر الإشارة إلى أن التوازن النفسي عند المراهق يبقى، بعكس ما هي عليه الحال مع الطفل وخصوصًا مع الراشد، في حالة تبدّل دائم، وبالتالي، تستوجب صحته الذهنية المحافظة على احتمالية صيرورته راشدًا (أي وجودها بالقوّة)، راشدًا لا يعاني من اضطراب نفسي جسيم، لأن مفهوم السواء والمرض في المراهقة هو، كما قالت آنا فرويد (1969)، شديد التعقيد. لكن، بالرغم من أهميتها القصوى خلال المراهقة، لم تعط هذه الصحة الذهنية عند المراهق الاهتمام اللازم لها مع أن مستقبل الفرد في حياته العاطفية والتفاعلية والاجتماعية.. كراشد، يرتبط بها.
          يعتبر «اضطراب الهوية الجنسية» الذي من شأنه إعاقة مسار تطور شخصية المراهق كراشد، ذكرا، أو أنثى، مكتمل الذكورة أو الأنوثة وقادر على لعب الدور الموكل إليه من قبل المجتمع، ومن ثم على فرض كل منهما المكانة الخاصة به، أحد هذه الاضطرابات الذهنية التي لابد من الاهتمام بها لتأمين هذه الصحة النفسية تبعًا للتحديد المعطى أعلاه للمراهقة.
ما هي الهوية الجنسية؟
          يعرّف كل شخص، منذ ولادته، كونه ذكرًا أو أنثى، وهذا ما يشكّل ركيزة نشاطه الجنسي كشخص، كما يمثّل الرؤية المحققة لديه بخصوص حياته الجنسية، بالإضافة إلى الطريقة التي يعبّر من خلالها عن علاقاته مع الآخرين.
          تمثّل هذه الهوية الجنسية، في الواقع، أحد ثلاثة مظاهر مميزة للنشاط الجنسي، والمظهران الآخران هما التوجه الجنسي والممارسات الجنسية: يصف التوجه الجنسي التفضيل الجنسي لدى الفرد، انطلاقًا مما يثيره جنسيًا، وهو يتميز بالانجذاب الجنسي نحو شخص من الجنس الآخر أو من نفس الجنس أو، حسب البعض، من الجنسين، أما الممارسات الجنسية فيقصد بها نمط الممارسة الجنسية. وهذه المظاهر الثلاثة تتميز بالمرونة وبالتطور مع الوقت.
          يمكن تحديد الهوية الجنسية، بالتالي، كونها سيرورة Processus معقّدة تبدأ مع الحمل وتتضمن، ليس فقط نموّها داخل الرحم، بل، خصوصًا، خبرات حياتية يعيشها الفرد خلال مسيرة حياته.
          يتجاوز مصطلح الهوية الجنسية، إذن، الجنس البيولوجي الذي تحدده الأعضاء التناسلية الخارجية (كذكر أو أنثى) إذ تتباعد بشكل أو بآخر، عند العديد من الناس، عن تلك الأدوار الاجتماعية - الثقافية المنسوبة لكل منهم تبعًا للجنس الذي يولدون به. من هنا التحدّث دائمًا عن أسباب متعددة ومتنوّعة مسئولة عن اضطرابها: أسباب بيولوجية (كالتشوهات والازدواجيات الجنسية) أسباب اجتماعية - ثقافية «عدم تحديد المجتمع للنشاطات الجنسية المقبولة بالنسبة للأفراد حسب جنسهم وتخصيصه أدوارًا للذكور وأخرى للإناث تبعًا لطريقته الخاصة به في تحديد الجنس..»، تربوية (غياب نماذج من نفس الجنس تحيط بالفرد ويمكنه التماهي بها، الطلب من الفرد القيام بنشاطات منزلية غير متلائمة مع جنسه،..) ونفسية (لنظرية التحليل النفسي حصّة الأسد هنا حيث يُربط اضطراب الهوية الجنسية عمومًا بالصراع الأوديبي وبأزمة التماهي.. إلخ).
          ينبغي الإشارة، في هذا الإطار، إلى تمييز العلماء المعاصرين بين ثلاثة مصطلحات: هوية الجنس L'identite du Genre»، الهوية الجنسية L'identite Sexuelle، والهوية الشقية (أي ذات العلاقة بالتناسل L'identite sexuee) ويعتبرون أن المصطلح الثالث، أي «الهوية الشقية»، هو الذي تتم الإشارة إليه حين يتم التحدّث، حاليًا، عن الهوية الجنسية:
          اعتُبرت هذه الهوية (الشقية L'identite Sexuee) بمنزلة بناء نفسي يشتمل على مظاهر ذاتية Subjectifs وأخرى موضوعية Objectifs: تتلاءم الهوية الاجتماعية الموضوعية مع جنس الطفل لدى ولادته ومع أدوار الجنس المفروضة ثقافيًا، والتي سيتكيّف معها خلال مسيرة نموّه، أما الهوية الذاتية فتعود لشعور الفرد بالانتماء إلى جنس معيّن وللإحساس بأنه ذكر أو أنثى.
          إنها، باختصار، نسق معقّد ومتعدّد الأبعاد، تتمحور مفاصله حول حدود مختلف الأبعاد البيولوجية، الاجتماعية، النفسية، المعرفية.. إلخ)، ومن غير الممكن اختصار بناء الشخص لهويته الجنسية بالكروموزومات وبالهورمونات أو بالخلايا العصبية التي يولد بها، ولا باستيعابه المعرفي للمعايير الستيريوتيبية الثقافية المحددة لكل جنس أو، أيضًا، لتدعيمات البيئة له (الأهل بشكل خاص) إذ لتأثّراته Ses Affects وللمعنى الذي يعطيه لهذه البيئات، بالإضافة لخبراته التفاعلية مع الآخرين، دور في غاية الأهمية في هذا البناء.
اضطراب هذه الهوية
          انطلاقًا من هذه المقومات يمكن الشك بوجود اضطراب في الهوية الجنسية عند المراهق حين تتم ملاحظة الأعراض أو عدد معين من الأعراض الاضطرابية التالية لديه: - التماهي الشديد والدائم بالجنس الآخر كالتعبير بصورة متكرّرة عن الرغبة في الانتماء إلى الجنس الآخر أو التأكيد على الانتماء إليه، تفضيل ملابس وأدوار الجنس الآخر، رغبة شديدة في المشاركة بالتسليات والألعاب الخاصة بالجنس الآخر، تفضيل واضح للّعب مع رفاق ينتمون إلى الجنس الآخر وللتصرف مثلهم، رغبة في العيش والمعاملة كأنه من الجنس الآخر أو اقتناعه بأنه يمتلك المشاعر والانفعالات التي يتميّز بها الجنس الآخر.. إلخ - شعور مستمر، لديه، بعدم الراحة بالنسبة لجنسه أو شعور بعدم التلاؤم مع الهوية الجنسية المنسوبة إليه، تفكيره بأن الجنس الذي وُلد به ليس جيدًا، الاضطراب غير متلازم مع ذلك المسئول عن طبع وراثي خنثوي - الاضطراب مسئول عن معاناة عيادية دالّة أو عن اختلال في الوظائفية الاجتماعية، الدراسية، المهنية أو في مجالات حياتية أخرى مهمة.
          هذا ويستحيل مساعدة أي شخص يعاني اضطرابًا في الهوية الجنسية خارج إطار التشخيص النفسي المعمّق الكفيل بتحديد المشكلة الحقيقية التي يعاني منها هذا الشخص، المراهق بوجه خاص. ولتحقيق هذا التشخيص، لابد من استخدام مختلف الوسائل التشخيصية، (القياس النفسي «الروائز الإسقاطية Tests Projectifs بوجه خاص»، المقابلة العيادية L'entretien Clinique، الملاحظة L'observation والتاريخية L'anamnese)، التي من شأنها تأمين مختلف المعلومات اللازمة للتعرّف على المشكلة بكل حيثياتها، ومن ثمّ، تتم العودة إلى المحكات التشخيصية الخاصة بالدليل الأمريكي الإحصائي والتشخيصي DSM-IV-TR أو إلى تلك الخاصة بالمنظمة العالمية للصحة La CIM-10 لتأكيد هذا التشخيص.
          ولابد، قبل البدء بالتشخيص النفسي، من تحقيق فحص فيزيقي لأن الأعضاء الجنسية والتناسلية عند المصابين باضطراب الهوية الجنسية هي طبيعية، بعكس ما هي عليه الحال عند مَن يعانون اضرابات جنسية فيزيقية.
          تجدر الإشارة، هنا إلى عدم وجود استمارات واستبيانات كفيلة بالكشف عن هذا النوع من الاضطراب على غرار ما هو متوافر على مستوى مختلف الاضطرابات النفسية الأخرى، باستثناء محكات دليل التشخيص النفسي الخاص بالـDSM أو الـCIM.
          كما تجدر الإشارة، أيضًا، لوجود مكوّنين أساسيين لتشخيص مشكلة ما كونها اضطراب في الهوية الجنسية: وجود تماهٍ مكثّف ودائم بالجنس الآخر، وهذا التماهي بالجنس الآخر لا يُختصر بالرغبة في الحصول على فوائد ثقافية آيلة إلى الجنس الآخر.
          هذا، وقد يتطور العديد من المراهقين الذين يعانون اضطراب الهوية الجنسية باتجاه العزلة الاجتماعية والإبعاد، الأمر الذي قد يؤثر سلبًا على احترام الذات لديهم، كما قد يؤدي ذلك للإحساس بالعداء تجاه المدرسة ولتركها. وتعتبر تندّرات الرفاق بمنزلة انعكاسات سلبية شديدة التواتر لهذا الاضطراب عند الصبيان ذوي التصرفات الأنثوية والطريقة الخاصة بهم في الحديث.
بين الذكور والإناث
          مميّزات مرتبطة بالعمر والجنس: هناك، حسب العينات العيادية في الدراسات المخصصة لطب الأطفال Pediatriques، فتاة مقابل خمسة صبيان تُطلب معالجتهم من هذا الاضطراب. وبالنسبة للراشدين، يتم توجيه الذكور، أكثر بكثير من الإناث، لتقييم هذا الاضطراب لديهم: ويمكن القول، بشكل عام، ان الإناث المصابات باضطراب في الهوية الجنسية يتعرضن، أقل من الذكور، للرفض من قبَل نظيراتهن، على الأقل حتى سن المراهقة.
          انتشاره: La Prevalence: لا وجود لدراسات وبائية حديثة حول معطيات انتشار اضطراب الهوية الجنسية.
          تطوره: تبدأ الاهتمامات ونشاطات التغاير الجنسي Activites Transsexuelles ما بين 2-4 سنوات، لكن عددًا قليلاً ممن يعاني من اضطراب الهوية الجنسية من الأطفال قد يستمر بإظهار أعراض تستجيب لهذا الاضطراب في نهاية المراهقة أو مرحلة الرشد، ويتم توجيه الأطفال لاستشارة الأخصائي بخصوص هذا الاضطراب من بداية المرحلة المدرسية، بشكل خاص، لأن الأهل يلاحظون، بانشغال بال، أنّ ما اعتبروه مرحلة فحسب لا تنتهي.
          التشخيص الفارق Diagnostic Differentiel: يتعدّى وصف هذا الاضطراب سلوكيات الفرد أنه «صبي ناقص» أو «فتاة ناقصة» لأنه يثير الاضطراب العميق في إحساسه بالهوية الملائمة لجنسه، بمعنى أن عدم تلاؤم سلوك الطفل مع الدور الثقافي المنسوب إليه لا يمكّن من التشخيص، إلا إذا كان تناذر الأعراض Syndrome كاملاً ويؤدي لألم ظاهر أو لإعاقة معيّنة.
العلاج
          تبيّن لنا أن اضطراب الهوية الجنسية على ارتباط وثيق بعوامل التنشئة الممارسة مع العديد من المراهقين الذين وقفنا إلى جانبهم، أي أنه على ارتباط بعوامل تربوية واجتماعية - ثقافية، وبعوامل نفسية (أزمة تماهٍ) وليس بعوامل تكوينية لديهم.
          وبالتالي، لابد أن يكون العلاج النفسي الممارَس مع المراهق متعدّد الأوجه أو الأبعاد Psychotherapie Pluridimensionnelle فيمتد ليشمل كل الوسائل الكفيلة بتحقيق تغيير مباشر في سلوكه الاضطرابي (اضطراب هويته الجنسية وفي أنماط تفكيره ومهاراته الاجتماعية).
          ولابد، أيضًا، أن تكون الخطط العلاجية متنوّعة بحيث تشتمل على: وسائل سلوكية (كالاسترخاء والتدعيم والنمذجة أي الاقتداء وملاحظة النماذج وغيرهم..)، معرفية (كتعديل أخطاء التفكير وغيره..)، تربوية (إعطاء معلومات موضوعية عن مظاهر الاضطراب، إعطاء معلومات دقيقة ومفصّلة عن كيفية السلوك أو كيفية أداء النشاطات المختلفة بكفاءة.. إلخ) واجتماعية - ثقافية تتوجه إلى كل من المعالج وبيئته، والديه بالدرجة الأولى إذ، كما تبيّن، تُكتسب الأغلبية العظمى من المشكلات النفسية عند الأطفال والمراهقين بسبب أخطاء في عملية التعلّم نتيجة أخطاء بيئية كمحاكاة ما يلاحظه الطفل، مثلاً، عند والديه من نماذج سلوكية: فالاضطراب، كما قيل، هو انعكاس لأخطاء أو اضطرابات في الراشدين أنفسهم.
          لابد، بالتالي، من تحقيق التعاون بين الراشدين والمشرفين على تربية الأطفال والمراهقين وبين المعالج، إذ لا يقتصر علاج مشكلات المراهق و/أو الطفل على علاجهما وحدهما، بل يتطلّب علاجًا وتعديلاً في سلوك الراشدين أنفسهم، لذا، لابد من منح المعالج بعض وقته وجهده للأسرة محاولاً إرشاد أفرادها إلى طرق أسلم على مستوى التفاعل والتصرفات.
          ولابد، أيضًا، أن يمتد العلاج إلى خارج إطار الجلسة العلاجية عبر الواجبات المنزلية والخارجية التي تهدف إلى تعميم التغيرات الإيجابية التي يكون المراهق كـ«معالج» قد أنجزها في العيادة ومع معالجه.
          تجدر الإشارة، هنا، إلى أن استخدام التقنيات السلوكية والمعرفية مع المراهقين و/أو الأطفال يعتمد، في مجموعه، على النظريات الأساسية للتعلّم: نظرية التعلّم الإجرائي (التدعيم، بالدرجة الأولى)، نظرية التعلّم الاجتماعي (القدوة ومشاهدة الآخرين وهم يقومون بها مع إعطاء تعليمات لفظية خلال ملاحظة النموذج، العمل على إثارة الدوافع والاهتمامات الشخصية للمراهق و/أو الطفل التي تحثه على أن يتعلم بسرعة الأشياء التي تتفق مع حاجاته وعلى دفعه لتحقيق الأداء الفعلي للسلوك لمساعدته على سرعة تعلّم هذا السلوك) ونظرية التعلّم المعرفي (إذ لا يتعلم الناس فقط من خلال القواعد التشريطية، أو التعلم الاجتماعي، بل وأيضًا من خلال المدركات والتفسيرات التي يعطونها للحوادث التي يمرّون بها) من جهة، وعلى التربية المباشرة من جهة أخرى.
          أخيرًا، لابد من أخذ مميزات مرحلة المراهقة في الاعتبار، وبالدرجة الأولى حساسية المراهق تجاه الإرشاد والنصح المباشرين، لذا، تعتبر «تقنية الاكتشاف الموجّه» المدعّمة بـ«تقنية الحوار السقراطي» Le Dialogue Socratique كمحور أساسي لمجمل الجلسات العلاجية المعتمدة معه، حيث لابد من ضم مختلف التقنيات السلوكية والتربوية والمعرفية، المحقّقة معه، تحت شكل الأساليب المستخدمة في تعديل أخطاء التفكير عند المراهق.




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق