الأربعاء، 18 يوليو، 2012

الدراسات المستقبلية

                   
تعريف:
   الدراسات المستقبلية هي العلم الذي يرصد التغيير في ظاهرة معينة، ويسعى لتحديد الاحتمالات المختلفة لتطورها في المستقبل، وتوصيف ما يساعد على ترجيح احتمال دون غيره. وهذا يعني أن الدراسات المستقبلية هي إدراك البُعد الفلسفي في مفهوم الزمن بل إن مفهوم الزمن هو الدراسات المستقبلية بعينها.
النشأة والتطور
    منذ القدم حاول أولي الأمر تفسير مفهوم الزمن. حيث انقسم الفلاسفة إلى قسمين، وكان هذا الإنقسام نقطة تحول بين المعنيين من هؤلاء الفلاسفة. فقد نادى الفريق الأول بأن الزمن منفصل عن غيره، وأنه ثبات ودوام. بينما الفريق الثاني لا يرى بأن الزمن منفصل عن الحركة الظاهرة. وكان بارميندس وزينون من أرباب الفريق الأول. وقال أفلاطون أن الزمن موجود في العقل. ومن أرباب الفريق الثاني: هيرقليطس حيث قال: "لا نستطيع أن تستحم في النهر مرتين لأن الزمن أ مختلف عن الزمن ب" وقال أرسطو: "إن الزمن يتحدد بالحركة لذلك فالنائم ليس له زمن" أما جون لوك فقال أن الزمن يتحدد بالتغير الكمي للأحداث.
   ولكن اين نحن العرب من تفسير مفهوم الزمن؟ بالرجوع إلى الآراء التي خاضت غمار هذا المجال نجد أن الفلسفة الإسلامية أقرب إلى الفريق الثاني. فالزمن عند الاشعري هو الفرق بين الحركات، وعند الخوارزمي هو المدة التي تعدها الحركة، وأما المعري فقد قال أن الزمن هو الكمية التي تعدها الحركة. وفي الزمن المعاصر برز أينشتاين إلى الواجهة طارحًا نظرياته في الفيزياء التي قلبت كل الموازين، وقال إذا حركت عقارب الساعة إلى الأمام فهذا لا يعني زيادة بعمرك، ولا بد من ملء وعاء الزمن بالحركة، وذلك لأن الزمن يتأثر بالحركة إي السرعة والجاذبية.
  هناك فلاسفة آخرون أكدوا أن هناك تناغمًا بين بعد الحركة وبُعد الإحساس بالزمن وبين إيقاع الزمن وهذه قضية في غاية الأهمية.
  بينما نرى أن الفيلسوف فيشر قد أعطى مؤشراً توضيحيًا لهذا الإحساس بإيقاع الزمن، وقال أن الزمن يمر بسرعة في اللحظات الفرحة ويتباطأ في اللحظات الحزينة. وقد يتولد عندنا البُعد الأعمق عند إدراك إيقاع الزمن، وهذا ما يسمى وتيرة الحركة ومن هنا كانت إبداعات بيتهوفن.
ومن جهة اخرى لا يمكن أن يقاس إيقاع الزمن بنفس النسبة في أمكنة مختلفة، فالدول المتطورة قادرة على ملء الزمن بوتيرة افضل.
 فهل نحن كعرب ومسلمين قادرون على ملء وعاء الزمن بما يتناسب مع هذا العصر؟
 إن إدراك الحركة وقياس كمها وتبيان إيقاعها هي نقطة البدء في فهم حركة ظاهرة الزمن. ولهذه الظاهرة منحيان: اجتماعي واقتصادي تنعكس نتيجتهما في تطور العلاقات  بين الناس وفي تحسين مستوى المعيشة
ولكن هل نحن كعرب ومسلمين قادرون على مواكبة التكنولوجيا والإستفادة منها؟ إذا لم نستطع حتى اللحظة المواكبة فنحن غير مدركين لمفهوم الزمن وغير قادرين على قياسه وتبيان إيقاعه.
 والسؤال يطرح نفسه هل هذا العجز هو سبب تربعنا على عرش العالم الثالث؟
  دعنا نرى أقسام ظاهرة الزمن. فهي تقسم إلى ماضٍ وهو كل سابق للحالة الحاضرة، وإلى حاضر وهو كا قائم حاليًا، وإلى مستقبلٍ وهو الآتي بعد الحاضر. فالماضي أصبح حقيقة لا يمكن تغييرها ولا جدوى من تدخل الإرادة الإنسانية فيه. بينما الحاضر هو عملية متحركة لم تكتمل بعد، ويمكن للإرادة الإنسانية التدخل فيه بنسبة معينة من التأثير. وأما المستقبل فهو المجال الوحيد المتاح أمام الإرادة الإنسانية للتدخل من خلال الوعي الكامل بالمخاطر المهددة ومن خلال استخدام المنهج العلمي وتقنيات الدراسات المستقبلية. ومن هنا نلاحظ الفرق بين الدراسات المستقبلية  والدراسات الإستراتيجية. فالدراسات المستقبلية تسعى لاستعراض الاحتمالات المختلفة للظاهرة والتنبؤ يحسم أن الظاهرة لا تأخذ مساراً معينًا. أما الاستراتيجيات فيكون الهدف منها قد حدد سلفًا، ويتم البحث في تحديد ادوات لتحقيق الهدف والتنبؤ هذا يحسم أن الظاهرة تأخذ مساراً معينًا.
مراحل تطور الدراسات المستقبلية:
  الرغبة الإنسانية لمعرفة الغد هو ظاهرة تاريخية وهذه الرغبة ليست مختصرة على الأفراد بل تتعداها إلى طبقات المجتمع من ملوك وسلطة سياسية وغيرها، وهناك معاهد متخصصة في التنبؤات مثل معهد دلفي. وقد مر تطور الدراسة المستقبلية في ثلاث مراحل:
1)    مرحلة اليوتوبيا (المثالية): ومن أبرز روادها أفلاطون (المدينة الفاضلة)، والقديس أوغستين (مدينة الله ومدينة الإنسان)، وفرانسيس بيكون (أطلالنا الجديدة) عبر فيها عن عظمة الإنسانية. ثم توماس مور حيث تخيل المجتمع على أساس الملكية الجماعية (الإشتراكية) وكارل ماركس قال إن التطور الإنساني سيؤدي إلى مجتمع تختفي فيه الطبقات. وتتطور الطبقات من البدائية إلى العبودية إلى الإقطاعية ثم الرأسمالية وأخيراً الشيوعية. ومفكرو العولمة يقولون أن فكرة الحكومة العالمية قابلة للتحقيق وأصحاب الخيال العلمي يتخيلون ما هو ممكن أو محتمل أو مفضل.

2)   مرحلة التخطيط: ومن أهم الدول التي اشتهرت بالتخطيط الحكومة السوفياتية حيث وضعت في سنة 1920 الخطة الخمسية لإنتاج الكهرباء، وقد ربطت التخطيط المدني بالإستقرار السياسي.وفي المملكة المتحدة صدرت مجلة tomorrow سنة 1938 وألفت وزارة للمستقبل وأوجد غاستون برجر مركزاً للاستشراف اعتمد فيه المنحى التكنولوجي. والتخطيط يعتمد على مبدأ if- then ومعناه أن الفرد الذي يدرك الحركة يمكنه أن يصنع الإيقاع.


3)   النماذج العالمية: وهذه المرحلة قد ركزت على المستقبل ليس من زاوية دولة معينة بل على مستوى العالم كافة، وناقشت مواضيع عالمية مثل أسلحة الدمار الشامل، الإرهاب والمخاطر التي تهدد البيئة وغيرها. ومن رواد هذه المرحلة فولر، وهو رائد في المدرسة المعيارية في الدراسات المستقبلية ويطرح نظريته بأن هناك احتمال للسلم العالمي من خلال النموذج (اللعبة العالمية).

خلاصة:
  يوجد في أوروبا 124 هيئة تعمل في الدراسات المستقبلية معظمهم من الشركات المتعددة الجنسيات مثل شركات الأدوية والكمبيوتر والأسلحة وأن 97% من الدراسات المستقبلية تتم في أوروربا وأميركا.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق