الأربعاء، 25 يوليو، 2012

الطباع الشخصية للأشقاء: لماذا تختلف؟


جينات متشابهة، بيئة واحدة..  طباع مختلفة! لماذا؟
          لماذا يختلف الأشقاء في الطباع على الرغم من أنهم يتقاسمون جينات متشابهة، وينشأون في البيئة العائلية نفسها؟
سؤال يطرحه الكثير من الأهالي والمختصون في الشئون العائلية. وفي محاولة للإجابة عن هذا السؤال قام أحد الباحثين ويدعى روبيرت بلومين بدراسة على مجموعة من الأشقاء رأى من خلالها أنهم يختلفون إلى حد ما، ولكنهم يتشابهون في شكلهم الخارجي وقدراتهم العقلية أكثر بكثير من مجموعة مختلفة من الأطفال لا صلة قرابة بينهم.
          ولكن عندما يتعلق الأمر بالمزايا الشخصية يتشابه الأشقاء بنسبة 20 في المائة من الأحوال فقط. ووفقًا للاختبارات التي تقيّم المزايا الشخصية تبدو مزايا - مثل أن يكون الشخص منطلقًا اجتماعيًا أو قادرًا على تحمل المسئولية - مختلفة تمامًا بين الأشقاء، ولكن بما أن الأشقاء يتقاسمون نفس الجينات ونفس البيئة العائلية ونفس الأبوين، يبدو ذلك مستغربًا، ولكن ما الأمر الذي يجعل شخصيات الأشقاء في العائلة نفسها مختلفة تمامًا؟
          قام بلومين وباحثون كثر بدراسة تلو الدراسة حاولوا من خلالها تحديد الدور الذي تلعبه الجنيات في الاختلاف في المزايا الشخصية، والدور الذي تساهم به البيئة في ذلك الاختلاف، وعندما بدأوا، وضعوا الافتراض بأن التنشئة، كما هو الاعتقاد السائد، في البيئة العائلية نفسها ستجعل الأشخاص متشابهين في الطباع، ولكنهم وجدوا أن الأمر ليس كذلك.
          يقول بلومين إن «البيئة العائلية تعمل بشكل غريب، إذ إنها تجعل الأطفال مختلفين لا متشابهين». أما السؤال الذي يبرز هنا، فهو لماذا تدفع التنشئة في البيئة العائلية نفسها الأطفال في اتجاهات مختلفة في ما يتعلق بالطباع الشخصية؟ لا أحد يعرف تمامًا الإجابة الواضحة عن هذا السؤال، إنما هنالك ثلاث نظريات لتفسير ذلك الأمر:
          أما النظرية الأولى فهي نظرية التشعب التي وضعها فرانك سلوي، بالنسبة لسلوي، التنافس هو المحرك وراء التطور الاجتماعي تمامًا مثلما هو في الطبيعة، لذلك يتنافس الأطفال ضمن العائلة الواحدة على محبة أهلهم ووقتهم وانتباههم. يقول سلوي إنه «عندما تتنافس المخلوقات تبرز هنالك ظاهرة عرفها داروين منذ زمن بعيد في كتابه«أصل الأنواع» وهي «ظاهرة التشعب»، ودور التشعب هو التقليل من المنافسة حتى لا تكون مباشرة. وهذا يؤدي إلى التخصص في مجالات مختلفة، لذا إذا كان هناك طفل في العائلة متفوق في الأمور الأكاديمية، يعمد الطفل الآخر، لكي يتجنب التنافس المباشر عن قصد أو غير قصد، إلى التخصص في مجال مختلف، وهذه الظاهرة يسميها علماء النفس بإعادة تكوين الهوية.  
  وتترسخ هذه الظاهرة لأن الوقت الذي يمضيه الأشقاء مع بعضهم بعضًا وقت طويل جدًا لتصبح المنافسة بينهم أكثر حدة. في الوقت الذي يبلغ فيه الأطفال سن الـ 11 عامًا يكونون قد أمضوا 33 بالمئة من أوقات فراغهم مع إخوتهم، وهو وقت أكثر بكثير من الذي يمضونه مع أصدقائهم وأهلهم وحتى مع أنفسهم، وذلك وفقًا لدراسة قامت بها جامعة ولاية بنسلفانيا Penn State في الولايات المتحدة الأمريكية عام 1996. وهنالك دراسة أكثر حداثة تقول إنه حتى المراهقون الذين يبدأون بتحقيق نوع من الاستقلالية، يقضون عشر ساعات أسبوعيًا على الأقل، في القيام بأنشطة مختلفة مع إخوتهم وهو وقت طويل إذا ما احتسبنا الفترة التي يمضيها هؤلاء في المدرسة والنوم وممارسة الألعاب الرياضية والأنشطة الأخرى.
          وعن التشعب قال سلوي إنه رأى نموذجًا مصغرًا منه يحدث في عائلته، كان شقيقه الأكبر لاعب كرة مضرب ممتازًا، ومن ثم أصبح لاعبًا محترفًا. ويعترف سلوي بأنه لم يتمكن ولو مرة في حياته من التغلب على شقيقه في لعبة كرة المضرب، ويضيف أنه خلال دراسته الثانوية اكتشف أنه متفوق في الركض السريع أكثر بكثير من لعبة كرة المضرب، لذلك انتقل إلى ممارسة تلك الرياضة وكان قراره ذلك عن قصد، لأنه أدرك أنه لن يستطيع أن يبدع في كرة المضرب.
          والنظرية الثانية هي نظرية البيئة غير المشتركة التي تقول إن الأشقاء، في الظاهر، يتشاركون في البيئة ذاتها، ولكن من جوانب مهمة جدًا لا يكون الأمر ذلك، إذ لا يختبر الأشقاء الأمور نفسها. تقول سوزان ماكهيل، الباحثة في جامعة بنسلفانيا، إن الأطفال ينشأون في أجواء عائلية مختلفة لأن معظم الأشقاء يختلفون في العمر، لذلك فإن التوقيت الذي يكبرون فيه بالعائلة هو توقيت مختلف.
          فمع الوقت قد يحدث أن يخسر أحد الآباء وظيفته أو قد يحدث طلاق بين الأبوين وقد يكون ترتيب الأخ الثالث أو الخامس، مثلاً، وأن خبرة طفل في الخامسة من عمره يطلّق والداه تختلف كثيرًا عن خبرة طفل في التاسعة أو العاشرة من عمره، وقد يتساءل البعض عن التوائم، فتقول الأبحاث إنه على الرغم من أن التوائم المتطابقة يولدون باللائحة اللاجينية الشخصية نفسها (epigenetic profile)، تبدأ تلك اللائحة بالاختلاف والتشعب مع تقدمهم في العمر، وتزداد تلك الفوارق كلما أمضى التوائم مزيدًا من الوقت بعيدًا عن بعضهم بعضاً. وقد أعطى العلماء نظريتين اثنتين لتفسير ذلك، الأولى، تقول إن العلامات اللاجينية (epigenetic marks) تزول مع الوقت، والثانية هي أن التأثيرات البيئية المختلفة تغير نظام العلامات اللاجينية.
          تضيف ماكهيل إنه نادرًا ما يعامل الأطفال بالطريقة نفسها من قبل أهاليهم حتى ولو أراد الأهل ذلك، إذ إن للأطفال حاجات واهتمامات ومزايا شخصية مختلفة تتطلب معاملة متفاوتة من الأهل، فالطفل العنيد، مثلاً، يستدعي معاملة مختلفة عن الطفل المطيع الذي يلتزم بالقوانين.
          والنظرية الثالثة هي نظرية المقارنة، التي تقول إن العائلات هي مراكز للمقارنة حيث تتم المبالغة، حتى في الفوارق البسيطة بين الإخوة. تقول ماكهيل: تخيل طفلين منفتحين مولودين في العائلة نفسها، حيث إن الأول منطلق إلى أبعد الحدود، بينما الثاني مجرد طفل اجتماعي، قد يعتبر الطفل الثاني، في أي عائلة أخرى، منطلقًا كثيرًا ولكن في تلك العائلة بالتحديد يعتبر طفلاً منغلقًا بالمقارنة بأخيه، وبمجرد إلصاق صفة منغلق على الطفل، حتى ولو كانت خاطئة تمامًا، تؤثر على الخيارات التي يتخذها لاحقًا.
          ولتجنب المقارنة يختار الأشقاء مجموعات مختلفة، من الأصدقاء، ويمضون أوقاتهم بطريقة مختلفة مما يساهم في الفوارق في شخصياتهم، وكلما مضى الوقت اتسعت هذه الاختلافات.
          يبقى أن نقول إن الاختلاف في الطباع الشخصية للأشقاء أمر قد يثري شخصياتهم وليس العكس، لأن الأشقاء هم المثل العليا لبعضهم بعضًا، هم المتآمرون على بعضهم بعضًا، هم صوت الضمير لديهم، هم من يحميهم، هم شركاؤهم في اللعب، هم من يقدم النصيحة، هم مصدر المنافسة. كل تلك الأمور مهمة جدًا، خصوصًا أن الأشقاء هم العنصر الثابت في حياة بعضهم بعضًا، إذ إن الأشقاء يبقون أشقاء مدى الحياة.




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق