الخميس، 19 يوليو، 2012

العولمة وحقوق الإنسان


دخل مصطلح العولمة، في الأدبيات السياسية والفكرية والاقتصادية، بعد انهيار المعسكر الاشتراكي، وبعد أن أخذت تتضح ملامح (النظام العالمي الجديد) على جميع الصعد (السياسية ـ الاستراتيجية ـ الاقتصادية ـ الأيديولوجية). وتفاوتت المواقف من العولمة، فمن خلال الاطلاع على هذه المواقف نلحظ موقفين في النظر إلى هذه الظاهرة: موقفاً أول يرى العولمة عبارة عن استراتيجية أمريكية وغربية تسعى إلى تجديد المرحلة الإمبريالية، أو نوعاً من الاستمرار لها، ولذلك لا مناص من الوقوف في وجهها ومقاومتها. وموقفاً ثانياً يرى في العولمة واقعاً موضوعياً متحققاً كالقدر، وليس لأمريكا أو لسواها أي دور فيها، ولذلك يجب التعامل معها بوصفها صيرورة موضوعية، والدخول فيها باعتبارها فضاءً مفتوحاً على النظام الكوني.
 
وهناك موقف ثالث عبر عنه الباحث (برهان غليون)، فيرى أن الموقفين السابقين ينطويان على إطلاقٍ في فهم الظاهرة ـ إنها في رأيه ـ لا هذا ولا ذاك من الموقفين، وهي هذا وذاك في آن، بمعنى أن هناك واقعاً موضوعياً يدفع في اتجاه توحيد العالم، ويخلق الشروط الواقعية للتوحيد، وهذا ما يتجلى عملياً بما يسمى ثورة المعلومات والاتصالات، هذه الثورة التي سمحت بتجاوز المكان، وأطلقت آليات للتعاون بين الدول، وبدا أنه ليس لأحد إرادة في ذلك. ومع هذا، فإن ثمة عنصراً ذاتياً في ظهور العولمة، يكمن في سعي القوى المسيطرة على العالم، وهي القوى الصناعية والشركات الكبرى، إلى استغلال التقدم التكنولوجي من أجل توسيع دائرة نفوذها. هنا توجد إرادة واستراتيجية من جانب القوى المشار إليها، قوام هذه الاستراتيجية أن آليات السيطرة لن تتحقق إلا في إطار سياسة ليبرالية، وليبرالية جديدة تفترض جعل السوق مركز التفكير في تنظيم العالم، أي خلق سوق عالمية موحدة. وهذا ما يسميه (برهان غليون) العولمة الليبرالية أو العولمة الرأسمالية.
 
إذن الظاهرة، ليست قضية ذاتية، هي قضية موضوعية وسياق تاريخي، إنها حسب النموذج الليبرالي، تعبير عن استراتيجيات القوى المتحكمة في السوق، لذا إن العولمة ثمرة لقاء وتطور الثورة المعلوماتية، واستراتيجية جديدة لقوى الرأسمال العالمي.
 
في هذه المرحلة ـ مرحلة العولمة ـ أعلنت فيها الليبرالية كأيديولوجية انتصارها الحاسم و(نهاية التاريخ)، وخطاباً يتميز بالشراسة الشديدة، حتى إنه ضمن الأوساط الليبرالية نفسها، بدأت أصوات تقول إن (الليبرالية لا تعني حرية النهب).
 
وبفعل السياسات الاقتصادية العالمية التي تحددها حركة الشركات العملاقة المتعددة الجنسيات ونشاطها ورغباتها، تلك التي أفلتت من أية رقابة ديمقراطية، انهار مفهوم (السيادة الوطنية) وخاصة لدول العالم الثالث. و في الوقت الذي تؤثر فيه قراراتها على سياسات الحكومات كافة وبالأخص في الدول النامية، لم تجلب العولمة الليبرالية المستشرسة الرفاه والأمان للعالم، كما وعدت في خطابها السياسي والاقتصادي، بل على العكس من ذلك فاقمت الظلم والمساواة إلى الحد الذي يقرُّ به حتى أولئك القائمون على تطبيقها، فقد أعلنت الدول الصناعية الغنية في أكثر من مناسبة عن قلقها ومخاوفها من النتائج المترتبة على العولمة.إذن هذه العولمة هي امتداد للإمبريالية على مستوى الأهداف وكذلك على مستوى النتائج، إذ لها انعكاسات وخيمة على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في بلدان الجنوب.
 
فعلى الصعيد الاقتصادي صار صندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية والبنك الدولي، ستائر من الدخان تستخدم تحته أكثر الدول تقدماً، وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية، نفوذها الاقتصادي الهائل من أجل مصالحها الخاصة بصورة خاصة، إضافة إلى المؤسسة غير المرئية لكنها شديدة التدمير: إنها مؤسسة الإقراض، لقد بدأت هذه المؤسسة بممارسة دورها في إلغاء الحدود وسيطرة الغني على الفقير.
 
ولخدمة ما يسمى بالاقتصاد الحر ـ التنافس والتبادل دون قيود أو حماية عولمة الإنتاج والتوزيع، ثم رفع الدعم عن الخدمات الاجتماعية والصحية والتربوية من أجل زيادة القدرة المالية التنافسية أو تعويم العملات الوطنية ـ تروج هذه المبادئ كونياً على أنها الحالة الطبيعية للأشياء، فتحل السوق محل الاجتماع والتاريخ أو تقوم حملة منظمة في كل وسائل الإعلام من أجل تسفيه كل معارضة أو نقد على أنها تخلف وخروج عن روح العصر وفقدان للفرص، وبالمقابل تكرس ألوهية المال.
 
والمطلوب من بلدان العالم الثالث تنفيذ هذا الشعار المهذب المتمثل في (التكيف البنيوي)، كي تُعطى جواز الدخول إلى الجنة الموعودة أو في إعادة الهيكلة، التي يدعو إليها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، والتي تشتمل على نمطين من الإجراءات، الأول يتعلق بإجراءات فورية وعاجلة على شكل صدمات، تتضمن إصلاحات هيكلية، كالخصخصة والإصلاح التقريبي والمالي، كما تتضمن فيما يخص بلدان الجنوب: إلغاء دعم الدولة للسلع والخدمات الأساسية وإعادة النظر في الإصلاح الزراعي، (وهذه الإجراءات الأخيرة أدت إلى إفقارٍ متزايد وانتفاضات الجوع). كما تدعو إلى تقليص دور القطاع العام في الاقتصاد وخفض النفقات الاجتماعية، وتحرير سوق العمل، وإلغاء الرقابة على المبادلات المالية، وتحرير المبادلات التجارية وتشجيع المعاملات البورصية. تشكل هذه الإجراءات بمجملها آلة حرب تهدف إلى تدمير كل آليات التضامن الجماعي وإخضاع كل أوجه الحياة لمنطق السلعة.
 
كما أن لهذه البرامج الليبرالية المستوحشة تأثيراً مباشراً على الحق في البقاء وحقوق الطفل، فآلاف الأطفال يموتون كل يوم من الجوع وسوء التغذية. وهذه الأخيرة ستؤثر حتماً على الأجيال القادمة ومستقبل البشرية؟ وأثارها السلبية على البيئة، فقد أُفني43 % من غابات الدول النامية إلى الأبد، إضافة إلى ازدياد مدن الصفيح وأحزمة الفقر.
2
من 2 عمدت العولمة على الصعيد الثقافي، إلى تحطيم القيم والهويات التقليدية للثقافات الوطنية، والترويج للقيم الفردية الاستهلاكية الأمريكية، ولاسيما المفاهيم الاجتماعية الغربية عامة، واعتبار تلك القيم والمفاهيم وحدها المقبولة أساساً للتعاون الدولي في ظل العولمة.كما عمدت إلى الهيمنة على الجانب الفكري من خلال التسلل إلى مواقع صياغة الأفكار وصنع الأخبار. فتملكوا دور الصحافة والمطابع، وأحدثوا مراكز البحث والدراسة، واشتروا الضمائر وروجوا لكُتَّاب معينين، وسيروا مناهج التعليم والتدريس ودعموا الرحلات الدراسية واستغلوا الدراسة، وقاموا عن طريق الصحف والإعلام بصناعة الفكر، وسيروا إرادة الأفراد والجماعات.. وإذا بالأفراد يصممون ويقدمون على أعمال سياسية واجتماعية وهم يتصورون استقلالية إرادتهم. وحتى الغرائز فإنها أصبحت توجه حسب رغبة أصحاب المعامل والمصانع والأثرياء، إضافة إلى تجاوز الأمم المتحدة ومؤسساتها أو استخدامها أداة في يد الأقوياء للعب السياسي العولمي من بُعْد.وعلى سبيل المثال لا الحصر، لنأخذ مشروع إنشاء المحكمة الجنائية الدولية التي أصبحت حقيقة واقعة ولكن على الورق فقط، رغم أن 91 دولة صدقت عليها، وذلك لأن أمريكا ومعها إسرائيل تعارضه بشدة وتهدد الدول التي تنضم إليها.. بل إن أمريكا استطاعت بأساليب الترهيب والترغيب أن تجذب 40 دولة من الدول غير الموقعة على اتفاقية المحكمة الجنائية الدولية إلى توقيع اتفاقيات ثنائية معها تنص على عدم تسليم الرعايا الأمريكيين لهذه المحكمة إذا طلبت مثولهم أمامها.ولعل من خداع النفس أن يتصور أحد أمكانية احترام القانون الدولي بحيث تتساوى كل الدول أمامه في ظل هيمنة أمريكية شديدة على الأمم المتحدة إلى حد أن هناك من يفسرون السلوك الأمريكي مع المنظمة الدولية على أنه نابع من إحساس لدى واشنطن بأن هذه المنظمة لا تقع فقط فوق الأرض الأمريكية، وإنما ينبغي أن تكون جزءاً من وزارة الخارجية الأمريكية. فمن عبث التفكير أن يتصور أحد أن تجرؤ الأمم المتحدة على تطبيق الشرعية الدولية التي وردت في القوانين والمواثيق الدولية، وإنما سوف يرتهن التطبيق بقدرٍ ما بشرعية القوة التي تمسك الولايات المتحدة الآن مفاتيحها دون شريك.وبالمقابل، وتحديداً فيما يتعلق بالجانب الخاص بحقوق الإنسان، فقد برز في السنوات الأخيرة، جيل جديد من الحقوق الإنسانية (حق التدخل الإنساني، ومفهوم (الخبرات المشتركة للإنسانية)، والحق في البقاء للبشرية، وحقوق البيئة، ويتعدى بشكل متزايد تلازم هذه الحقوق وتكاملها.والحال، أن مطلب الحركات الاجتماعية والمنظمات المدنية وغيرها من أجل إدخال (معايير اجتماعية وبيئية وديمقراطية) ضمن العلاقات التجارية، و (فقرات اجتماعية) ضمن الاتفاقيات التجارية الدولية، أدى إلى خلق فضاء جديد في تعزيز القدرة على مواجهة الآثار الاجتماعية السلبية للعولمة.إذاً، نجد أن الفكرة الرئيسية التي توجه المقاومين لطغيان العولمة والعولميين، هي السعي إلى تحقيق العدل و سلام حقيقي، وبغية إنقاذ الإنسان وأمه الأرض والبيئة الحياتية وما فيها من أخطار طغيان العولميين الجدد وبغيهم، وهذا العدل الموصل إلى السلام هو ما أمر به خالق الكون وما أقره القانون الدولي، ويرفع هؤلاء المقاومون للطغيان في صمودهم ودفاعهم شعارات العدل والاعتصام بالمقاومة والتصدي لإرهاب الدولة الذي تمارسه الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل.أخيراً: إذا كان الأفق يحمل ملامح عولمة متوحشة أو قاسية تقودها دولة أو ثقافة ليبرالية مستبدة لا تعترف إلا بمفرداتها الخاصة بها ولا تعبأ بالآخر وبكرامته وإنسانيته، فإن ذلك لا يعني الارتكاز إلى تلك الظاهرة والتعامل معها كقدر محتوم، فالعولمة في حاجة ماسة إلى تكريس قيم العالمية داخلها، ولا يتأتى ذلك إلا بأنسنتها. وقد لا تكتمل تلك الأنسنة إلا عبر تعزيز فكرة (تكامل حقوق الإنسان)، فهذه الحقوق مهما تنوعت طبائعها وأشكالها، ليست إلا تعبيراً عن معنى فلسفي وقانوني واحد، ألا وهو احترام تكامل الكرامة الإنسانية وتوفير السبل كافة لتدعيم حماية ذلك المعنى.




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق