الثلاثاء، 17 يوليو، 2012

إبداع المراهق... الحوافز والعوائق

إبداع المراهق... الحوافز والعوائق

ما الذي يعوق مجتمعاتنا ويبعدها عن العملية الإبداعية؟ هل هو المناخ، أم التربية الخاطئة، أم ظروف التخلف الخانقة؟
          في العام 1927 كانت فرجينيا وولف أول من تنبّه إلى مسألة مهمة وأساسية بالنسبة لموضوع الإبداع عند النساء، وأصدرت كتابًا بعنوان (غرفة تخص المرء وحده)، وهو يعد أول بيان نسوي متبلور في مسيرة الدفاع عن حقوق المرأة. وأشارت فيه إلى ضرورة توافر حد أدنى من المقومات المادية (غرفة ومردود مادي) التي تساعد المرء (وهنا المرأة) على الإنتاج الفكري أو الإبداع أكان ثقافيًا أم غير ذلك.
          ومع أن وضع المرأة في بلادنا لم يتحسن كثيرًا عما كان عليه في تلك الفترة في أوربا، إذ لاتزال المرأة تعاني في بلادنا عدم الاعتراف بحقوقها كإنسان تام. لكن تجدر الإشارة بداية إلى أن شروط الإبداع العامة والتي تتخطى الفرد والجندر (النوع الاجتماعي) كي تشمل المجتمع ككل غير متوافرة بشكل عام في بلادنا. وإذا كانت المرأة، كفرد، تحتاج كي تنتج فكرًا أو فنًا أو أي شيء آخر إلى غرفة وعمل (وتعليم بالطبع قبل ذلك)، فإن الإبداع كما يرى ألفريد كرويبر ليس مجرد موهبة شخصية: (إن العبقرية الفردية ليس لها أدنى قيمة تفسيرية عندما نناقش الإبداع، وهو بيّن من أجل التدليل على قضيته، أن ما يسمى بالعبقرية المبدعة ليست موزعة بشكل عشوائي عبر التاريخ، ولكنها تتجمع بدلاً من ذلك على هيئة تشكيلات. وتشمل هذه التشكيلات العصور الذهبية، وهي عصور تفصل بينها فجوات طويلة أو عصور ظلام يركد فيها الإبداع الثقافي).
          لقد استبعد كرويبر أي تأثير للعرق على إبداع الجنس البشري، وقال إن المناخ الثقافي الذي يوجد فيه الفرد هو المحدد الوحيد للإبداع، والإبداع في حضارة معينة ينمو أو ينمحق ليس باعتباره أمرًا يتزامن مع ممارسات الزواج الإنسانية، بل مع نمو النمط الثقافي وتشبعه واضمحلاله. وهنا لا يمكن أن نخدع أنفسنا وندّعي أن مجتمعاتنا العربية هي مجتمعات تشكّل تربة خصبة للإبداع من أي نوع كان، فعدا عن مشكلة الأمية المتفشية، وعدا عن وضع المرأة غير المرضي، نجد أن الرقابة، على الأقلية التي تقرأ، تنحو لأن تشمل مجمل أوجه نشاطنا. وخاصة تفكيرنا وقراءاتنا، وإذا ما بقي الحال على ما هو عليه فسوف يُمنع من الكتب عدد يفوق ما هو مسموح به. وذلك كله يشكّل على كل حال نوعًا من المناخ القمعي العام الذي يستدخله الإنسان العربي ويظهر على شكل رقابة ذاتية خوفًا من التكفير والاغتيال. وما ينتج عن ذلك ليس سوى الخوف والركود الثقافي والإبداعي.
          يجعلنا ذلك نسأل، ما الذي يعيق هذه المجتمعات ويبعدها عن الإنتاجية الإبداعية بكل أوجهها؟
          يبرهن العديد من الأبحاث عن عمق تأثير البنى الاجتماعية على بنية الشخصية. إن التغيير في تنظيم وإنتاج وتوزيع الثروات يغير في بنية الفرد النفسية كما يؤثر في مجموع أحكامه القيميّة والتربوية. إن التغير على المستوى النفسي يسبقه تغير على المستوى الاجتماعي. المجتمع هو الذي يحدد أي نمط من الشخصية هو سوي أو مرضي، يحدد القيم المقبولة أو المرفوضة. وهنا لابد من الإشارة إلى تغير مفهوم العمل كقيمة في الغرب في الحقبة الصناعية وإبان ما عرف بالثورة البرجوازية. فبعد أن كان العمل معتبرًا كقصاص (التوراة)، صار العمل هو الذي يعطي الحياة معناها. وتم استبدال الحيوانات الرمزية من أسد وذئب ونسر إلى نملة ونحلة وسلحفاة (لافونتين) وصار الفراغ أم الرذائل. يشير هنا (تونيس) إلى أنه في العلاقات البدائية يغلب تطلب الاستمتاع على طلب العمل والإنجاز. لكن تطلب الاستمتاع مازال سائدًا في بلادنا. وأورد فيما يلي استشهادًا من كتاب تربية مدنية يدرس لطلاب السنة الأولى الابتدائية، كان يدرس فيه ابني في حوالي العام 1994، حيث يعلمون التلاميذ ما يلي: (أن الفلاح والمزارع يعملان والعمل متعب. والتاجر والكاتب يعملان وذلك متعب. التلميذ يدرس والدرس عمل وهو متعب!) ولا يحتاج هذا (الدرس) إلى تعليق، فالعمل لم يتحول بعد في بلادنا إلى قيمة، ولم يصبح بعد مصدرًا للمتعة أو مرادفًا لها. العمل متعب ومضن، فالمتعة هي في التبطل.
دور التربية
          يجعلنا هذا نطرح على أنفسنا السؤال التالي: في حال توافر المقعد الدراسي للجميع! ما القيم التي تنقل إلى الأجيال الجديدة؟ وهل تقوم التربية في بلادنا بدورها في بلورة شخصيات يمكنها أن تكون قادرة على استيعاب الماضي، عبر اتخاذ مسافة منه وليس عبر الاندماج الالتحاقي فيه؟ وكيف نواجه الحاضر؟ وكيف نستعد من أجل تهيئة المستقبل وتطويره؟
          لكي يتمكن الناس من تنمية قدراتهم والمشاركة بحيوية في مجتمع ينمو ويتطور، من المهم تكوين أشخاص أحرار وخلاقين ويمتلكون القدرة على المبادرة والابتكار وليس مجرد شخصيات جامدة. بحيث يكون في استطاعتهم أن يكونوا ذواتهم وأن يتحملوا مسئولية أنفسهم في الوقت نفسه الذي يأخذون فيه على عاتقهم التغير المحيط بهم، والمتعلق بالأشخاص وبالأشياء، ويكون باستطاعتهم استخلاص قواعد سلوك وتنمية مقدرة على الفعل والتفكير والصداقة والانفتاح.
          وكلما كانت هذه البنى الاجتماعية جامدة قلت فرص الإبداع عند الشبيبة.
          وكان هذا الأمر واضحًا في عينتنا من المراهقات اللواتي قمنا بدراستهن، فالمدرسة ليست فقط مكانًا لنقل معلومات جامدة وغير مساعدة على الإبداع، بل هي طاردة لفئات معينة من الفقيرات، ولا تأبه لمصير البنات اللواتي يجدن صعوبات في الانتماء إليها:
          تتعدد أسباب ترك المدرسة، فهناك من يتركها بسبب صعوبة المواصلات من ناحية، وبسبب التعامل السيئ معها وعدم متابعة الأهل لوضعها المدرسي. وهذا يعود إلى البيئة الفقيرة والتي (تخجل) ربما من التعامل مع مدرسات ومدرسين (عندهم شوفة حال) الأمر الذي يشعرهم بالدونية حيالهم ويبعدهم عنهم. يضاف إلى ذلك طبعًا غياب الدافعية الأساسية لدى الفتاة.
          يعد تغيير المدارس المتعدد في البيئات الفقيرة أحد أسباب التسرب المدرسي. غيّرت طالبة تدعى (هبة) خمس مدارس، وهذا ما يحصل معظم الأحيان في هذه الأوساط. كانت تغير مدرسة في كل عام. لكنها تجد أن ما جعلها تكره المدرسة وتفكر في تركها ربما موقف معلمات المدرسة اللواتي لم تعد تحبهن خاصة عندما ترى واحدتهن ممسكة بالسيجارة وجالسة تدخن، فلا يعجبنها وتجد أنهن (بيشوفوا حالهن). وهي لا تحب المعلمة التي (تشوف حالها)، بل تحبها أن تكون مثل الأم. أي أنها تجدهن يشعرن بالتكبر أو الغرور.
          أما ندى، فلم ترغب في إعادة الصف بعد أن رسبت، وما كان يزعجها في المدرسة، ليس طريقة تدريس الأساتذة، لكن قسوة المديرة والرقابة الصارمة. لاحظنا أن المدرسة تستكمل ممارسة رقابة الأهل من جهة، بالإضافة إلى أن بعض الفتيات الفقيرات لا يستطعن التكيّف مع متطلبات المدرسة لجهة متابعة الدروس، ولا مع صورة المرأة - المدرّسة المختلفة والمتناقضة مع صورة الأم، فيقررن الابتعاد عن هذا الجو المقلق والذي يزعزع صورتهن عن أنفسهن وعن المرأة، ويطلب منهن القيام بتحد للذات يعجزن عن القيام به. وهذا ما يعطينا فكرة عن وضعية مدارسنا وعن عدم قدرة الجهاز التعليمي على تلبية المتطلبات التي يفرضها دوره، وعن عدم ثبات هذا الجهاز في مدارس البيئات الفقيرة، وعن القسوة التي يتعامل بها مع التلاميذ، وعن دور هذه المدارس في نبذ التلاميذ، وعدم بذل أي جهد من أجل كسبهم ومساعدتهم على اجتياز المراحل الصعبة التي يمرون بها.
          فهل يمكن لهؤلاء الفتيات أن يبدعن في أي مجال كان؟ فكما يستنتج سايمنتن، لقد انقضت الأيام التي كان يمكن خلالها أن يأمل شخص لم يذهب إلى المدرسة مثل فارادي في أن يقوم بإسهام أساسي في علم الطبيعة. ونضيف أو في أي علم أو إبداع آخر على الأرجح.
          إن تأمين التعليم هو المطلب الأساسي في مطلع القرن الواحد والعشرين، وعلى مستوى العالم العربي ككل، وهذا أمر مخز بما فيه الكفاية.
القدوة والمثال
          إن فكرة المحاكاة التنافسية هي مماثلة لفكرة الاقتداء. وقد بينت البحوث الحديثة حول الظروف التي سادت حياة المشاهير قبل حصولهم على الشهرة، أن حوالي 82% من الأفراد الذين تمت دراستهم قد عايشوا عددًا من الراشدين في وقت مبكر من حياتهم، وأن 68% منهم ترعرعوا في ظل وجود بعض الراشدين الذين كانوا يعملون في مجالات يمكن الوصول فيها إلى الشهرة عند الرشد.
          وتوحي هذه الحقائق بأن وجود من يقتدى بهم من المبدعين قد يكون أمرًا جوهريًا بالنسبة لتطور العبقرية العلمية. وهذا التأثير عبر الأجيال قد لا يتطلب دائمًا الاتصال الشخصي المباشر بين الأساتذة الناضجين والمعجبين الصغار، فالنشأة أو التربية في أزمنة الحيوية العقلية أو الفنية الجمالية قد تفضي بذاتها إلى التطور الإبداعي. وإذا كانت الحيوية الإبداعية العامة غائبة عن التأثير الفاعل في بلادنا، فإننا نجد أن الجيل الجديد لم يظهر تعلقه بأي مثال مبدع أو قيادي مهم، لكن لفت نظري في أحاديث مع مراهقات بشكل متفرق اهتمام البعض منهن بميخائيل نعيمة وبجبران، وأظهر أحد المراهقين الشبان إعجابه بعبد الناصر. أما فيما عدا ذلك، فالمثالات كانت الأساتذة الذين تم انتقادهم بشدة في الوقت نفسه! أو أحد الوالدين. يبدو بشكل عام أن البيئة التي يعيش فيها المراهق تلعب دورًا كبيرًا في ظهور العبقرية. ورغم أن الذكاء خاضع للوراثة البيولوجية بشكل قابل للقياس، فإن الظروف البيئية للأسرة، وكذلك المؤثرات ما بين الأجيال، تبدو شديدة الأهمية في التطور الممكن للمبدع. ونخشى هنا أن المثالات التي تحث على الإبداع غير متوافرة بكثرة في محيط شبابنا وشاباتنا.
          وليس المقصود بالشروط البيئية الجيدة ما هو متعارف عليه بالمعنى السائد، أي غياب المعاناة وقساوة الحياة، لكن العكس ربما يكون صحيحًا، فلقد برهنت الأبحاث على أن فقد أحد الوالدين هو سمة مشتركة للعديد من القيادات أو العباقرة، فلقد مات والد لينين، بينما كان في سنوات مراهقته، وفقد بيتهوفن أمه عندما كان في السادسة عشرة، وأصبح نابليون عائلاً لأسرته في سن الخامسة عشرة عندما مات أبوه، وفقد يوليوس قيصر والده في العمر نفسه تقريبًا، ومات والد نيوتن قبل ولادته.
التمييز ضد المرأة
          من الملاحظ، هنا أيضًا أن متطلبات المراهقة تجاه نفسها وقدراتها النقدية وموقفها من التقاليد، ونظرتها إلى نفسها وإلى علاقاتها بالآخرين تتعلق بالمستوى الاجتماعي والفكري الذي ينعكس - بالطبع - على المستوى التعليمي. ولقد توزعت آراء الفتيات بين موقف محافظ يستدخل التمييز بشكل تام، وظهر هذا عند المنتميات إلى الفئة التي يسود فيها عاملا الفقر والبيئة الريفية. مثل زينب، الفتاة التي زوجت في عمر 13 عامًا، وتعاني حتى الآن رفض زوجها وأسرته تطليقها، تقول إنهم في محيطها (عندهم البنت بمائة صبي) ولا يعاملون الصبي بأفضل ما يعاملون البنت. ولا تعي مشكلة التمييز ضد المرأة في سيرتها، وترجع المشكلة إلى سوء تصرف والدتها. وهي لا يخطر على بالها إمكان أن يساعد الرجل في أعمال المنزل مثلاً، فالعمل المنزلي من مهام البنت حصرًا. كذلك على البنت الخضوع لشروط الرقابة فيما يتعلق بالخروج والملابس وما شابه. فالذي يفهم عامة من كلمة تمييز، كما يبدو، يحمل معنى عدم محبة الابنة أو كرهها بالأحرى، وليس معنى الحقوق والواجبات مقارنة مع ما هو معطى للشاب. وكأن تاريخنا الذي عرف وأد البنات ما زال فاعلاً على مستوى اللاوعي، وبالتالي يكفي أن تحاط الفتاة بالحب من أسرتها كي تنتفي بالنسبة إليها وإلى أسرتها الصفة التمييزية بالمعنى السلبي للكلمة.
          مع ذلك، فهناك فئات متزايدة ترفض التمييز حتى ولو كانت على مستوى اللاوعي عند الأهل وترفض الرقابة المعتدلة التي يمارسها والدها على سلوكها.
          هناك أخيرًا فئة تعتقد بوجود توازن وانسجام في أسرتها لجهة التعامل بين الصبيان والبنات. يمكن الاستنتاج إذن أن مشكلة التمييز ومدى قبولها ورفضها تتعلق بالمستوى التعليمي والثقافي الذي بلغته الفتاة، فكلما كانت فقيرة وغير متعلمة وجدت التمييز أمرًا غير مطروح للتساؤل.
          لكن ذلك لا يلغي - بالطبع - دور الموهبة والذكاء، قد بحثت دراسات عدة عن أدلة واقعية لما إذا كان مشاهير المبدعين والقادة يتفوقون على غيرهم في الذكاء، فمثلا أوضح وايت (1931) أن المشاهير يميلون إلى إظهار تنوع استثنائي في الاهتمامات، أي أنهم يكشفون عن تمكن أو اقتدار في عديد من أنواع النشاطات الإنسانية. وقد وجد والبرج وراشر وباركرسون (1980) أن 90% من الشخصيات المشهورة التي درسوها تتميز بدرجة عالية من الذكاء، ومن حب الاستطلاع، الذي لا يكف عن طرح التساؤلات. ولكن الذكاء وحده لا يكفي بالطبع، ولسنا هنا في مجال تقييمه على كل حال.
الحاجة إلى الإنجاز
          لاحظت كوكس  (1926) أن الرغبة في التفوق بين عباقرتها الـ301 كانت عاملاً أساسيًا في الشهرة المتحققة، وكثيرًا ما عوّضت هذه الرغبة عن حالات الذكاء التي لا ترقى إلى الرتب العالية. وسوف نستدل عن هذه الناحية من المخطط الذي تقوم به المراهقة فيما يتعلق بمستقبلها المهني والعائلي.
          أشارت العديد من الفتيات إلى أفضلية (العمل بالطبع)، على أي شيء آخر ولو كان الزواج، لكن برزت حيرة فيما يتعلق بالاختصاص، وهي مشكلة عامة عند الجنسين، ويبدو أن أكثر ما يحتاج إليه الطلاب هو التوجيه والإرشاد فيما يتعلق بالتعلم والاختصاص.
          لاحظنا أن الفئة التي تعطي الأولوية للعمل المهني في تزايد مستمر على ما يبدو، وهن لا يجدن معنى لمستقبلهن إذا لم يقترن بعمل أو مهنة تحقق نفسها عبرها. ومن هذه الفئة من تريد أن تعمل بالدرجة الأولى، ولم تخطط كثيرًا للزواج، ولم ترهن مستقبلها بالعريس، والسؤال الأساسي الذي يبرز لديهن: لماذا أدرس وأتخصص إذن؟ كما أنهن يشرن إلى نمو شخصيتهن وتحقيقها. وهناك فئة سوف تعمل، والعمل مهم جدًا لها، لكن الأولوية للبيت والأولاد، فإذا استطاعت التوفيق بين الأمرين كان به، وإلا فمنهن من سوف تختار الابتعاد عن العمل لفترة، والعودة إليه عندما يكبر الأولاد.
          أما بالنسبة للفتيات الفقيرات فيختلف الأمر، فهن تركن المدرسة أو في طريقهن إلى ذلك، وعندما تتكلم إحداهن عن عمل لا يمكن أن يؤخذ الأمر على محمل الجديّة فالعمل نوع من تمن هنا، ومن دون إعداد فعلي من أجل مهنة معينة. العمل يحتاج إلى تهيئة، ومن هنا نجد ان الفتيات الفقيرات اللواتي لا يكملن تعليمهن لا يدركن تمامًا معنى الإنجاز أصلا! كي أعمل يجب أن أقوم بما يلزم من تهيئة وتدريب. وهذا ما ينقص وجودهن.
          لكن من الملاحظ أن هناك تغيرا عند المراهقة المنتمية إلى الفئات المتوسطة بشكل عام، فهن أكثر تطلبًا من أنفسهن ويتجهن نحو التغيير.
حب المغامرة وعمل شيء مهم
          كما رأينا فيما يتعلق بتطلب الإنجاز عن طريق العلم والتخصص والعمل، هناك فئات متزايدة من المراهقات اللواتي لا يجدن أنفسهن إلا في العمل ولا يقبلن فكرة البقاء في البيت والاكتفاء بأن يقمن بدوري الزوجة والأم. والعمل تقليديًا، خاصة في الريف، لا تلجأ إليه إلا المرأة الفقيرة المحتاجة، فهو يعبر عن تدني مكانة المرأة المسكينة (التي تحتاج إلى العمل) خاصة عندما يكون في الحقول أو في المعامل. إنها النظرة التقليدية القديمة للعمل كقصاص وليس كوسيلة تفتح الشخصية أو الاستقلالية أو لتأكيد الذات. تقول الفتاة التقليدية عادة إن البيت هو مملكة المرأة وهكذا تجد المرأة في البيت نوعًا من الحماية، فالبيت يشكل القوقعة أو الصدفة التي تدفع المنافسة والصعوبات. إنه نوع من الاختباء من الخارج المعتدي. البقاء في المنزل هو نوع من الحصول على الأمن.، وبالتالي فالمغامرة بعيدة عن مجال تفكير هؤلاء الفتيات. لذا يمكن أن نعد حب المغامرة أو الرغبة في القيام بها نوعاً من التحدي الذي لن ترغب فيه سوى الفتاة التي تطمح لأن تقوم بإنجاز أو أن لديها إمكانات يمكن أن تعبر عنها، وهو ربما مؤشر على شخصية مبدعة أو متطلبة في أقل الأحوال. واختلفت الإجابات باختلاف الأوساط، فالتلميذات رغبن بالمخاطرة كل حسب شخصيتها بينما اللواتي تركن المدرسة لم يجبن عن هذه الأسئلة بوضوح دائمًا لأنها خارج الموضوع بالنسبة إليهن.
          ويختلف الصبيان عن البنات في كيفية تمضية الوقت، فيغلب على المراهقين الذكور تمضية أوقات الفراغ خارج المنزل في معظم الأحيان أو أمام التلفزيون في بعض الحالات في العطل الصيفية.
          فـ (بول) مثلاً يمضي وقته في السهر في محال الأطعمة الخفيفة مع رفاقه أو في البيت، حيث يمضي أوقاته أمام التلفزيون في السهرة وقبل الظهر. أما (رامي) فيمضي الوقت مع خاله أو يمارس الرياضة. كذلك (رفيق) يقضي وقت فراغه في التزاور مع الرفاق في منازل بعضهم أو في الكافيتيريا أو يذهبون إلى الحرش وقد يذهب للصيد. (مصطفى) يهتم بالنشاط الاجتماعي، مثل المهرجانات أو ما شابه، أو التجمع مع الرفاق أمام البيت أو في الساحة، وهي ظاهرة في القرى وأحياء المدن في الطبقات الشعبية، بالإضافة إلى الخروج عند الأقارب.
القراءة
          القراءة هي النشاط الأقوى عند هذا الجيل، ولم أجد سوى قارئة نهمة واحدة فعلية هي (لين)، وهذا ما أعطاها ثقافة وثقة في النفس. هي تهرب من عالمها الصعب إلى رحاب القراءة.
          ولاحظنا أن فعل القراءة فعل انتقائي ويتطلب مستوى اقتصاديا معينا، فالكتب مكلفة وهي غير متوافرة في البيئات الفقيرة ولكن القراءة تظل محصورة في معظم الأحيان من ضمن النشاطات المدرسية المطلوبة. ويصعب الفصل بين الإبداع والقراءة والتثقيف الذاتي، وقد أظهرت إحدى الدراسات حول المراهقين المبدعين أنهم يميلون إلى أن يقرأوا أكثر من 50 كتابا كل سنة (شيفر وأناستازي). إن سعة الاطلاع ليست تسلية غير ضرورية، فغالبًا ما تشير البحوث حول الشخصية المبدعة إلى أهمية الاهتمامات العريضة، وسعة الأفق، والحاجة إلى الجدة والتنوع والتركيب (ستاين 1969). فالابتكار يعتمد على القدرة على رؤية العلاقات بين الأفكار والأساليب التي لم ينتبه أحد إلى وجودها من قبل، ثم القيام بصهر هذه الأفكار والأساليب في مركب جديد واحد.
          والتفوق المدرسي ليس هو المقياس على الإبداع فالوقت الذي ينفق في تعقب درجات الشرف الأكاديمية، هو وقت يضيع من الجهد المبذول لاكتساب المعلومات والخبرات التي لا ترتبط مباشرة بالعمل الدراسي. وهو وقت لا يمكن أن يستخدم في التأمل العميق. والعديد من المشاهير ينهمكون في برامج التعليم الذاتي الخاصة بهم. وقد كان ما لا يقل عن نصف الأشخاص المشهورين الذين قام آل غورتسيل بدراستهم من القراء النهمين منذ وقت مبكر، واستمر حبهم للقراءة خلال سنوات رشدهم. ذلك لا ينفي بالطبع أن بعض العباقرة حصلوا على علامات ومراتب شرف أكاديمية.




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق