الأحد، 29 يوليو، 2012

بين طفولتي وطفولة أبنائي


بين طفولة الآباء وطفولة الأبناء

          أحيانًا أتساءل: أي المرحلتين أكثر حظًا، مرحلة طفولتي أم طفولة أبنائي؟!
  
        لقد كان مجتمعنا أقل اتساعًا، كانت التربية مقصورة على الأسرة والمدرسة.. وكانت وسائل الإعلام محدودة لا تخترق أفقنا اختراقًا إلا بإذن أولياء أمورنا، وفي الوقت الذي يحددونه بالمواد التي يختارونها لنا وتناسب - من وجهة نظرهم - أعمارنا ومداركنا.. كان الكتاب صديقًا مبكرًا لبعض المحظوظين  ممن كان أولياء أمورهم يقدّرونه ويدفعونهم دفعًا جميلاً لرحابه الواسعة، التي تحتوي أوقات الفراغ الصيفية والشتوية، حتى أفلام الكارتون كانت مقصورة على قصص توم وجيري (القط والفأر) وميكي ماوس، وكانت محدودة ببرامج الأطفال الأسبوعية أو قبل عروض الشاشة الكبيرة، التي نزورها كلما تسنت لنا زيارة أو لاحت لنا إجازة.. لم تكن التوعية الدينية قوية، اللهم إلا من خلال برنامج (نور على نور) الذي كان يقدّمه أحد المذيعين اللامعين وقتئذ، وكان يستضيف فيه مشايخ الأزهر وعلماءه وغيرهم.. بيد أننا للحق لم نكن في هذه السن المبكرة، نعتبر أن هذه البرامج موجهة لنا، بل كنا نفهم أنها لآبائنا الذين تعوّدوا متابعتها .. وكنا نتلقى تعاليم ديننا ومعلومات تاريخنا الإسلامي، إما من آبائنا أو من خلال كتبنا المدرسية أما اليوم فلا يربي الطفل أسرته ومدرسته فحسب، بل النادي وزملاؤه والشارع بما فيه من لوحات سلوكية صامته ومتحركة وجنونية والفضائيات والألعاب الرقمية وأفلام الكارتون.. وعشرات الأفلام التي تؤجج المشاعر الصغيرة البكر، وترسي ثقافة العري والتبذل.. وترفع كل ماهو أمريكي وغربي وتخفض - ولو تلميحًا - كل ما هو عربي أو إسلامي.. إضافة إلى  مايدعى بالفيديو كليب  فنحن لم نكن نعرف غير مايقدمه لنا إعلامنا، كنا مغرقين في محليتنا.. أما هم فسماواتهم مفتوحة وعولمتهم تنطلق بهم إلى عوالم جديدة ودنى مختلفة.. وعندما أقارن بيننا وبينهم وما كان متاحًا لنا وفتح لهم من كنوز المعرفة أتعجب لأني أجدهم، بالرغم من كل هذا الانفتاح، مازالوا تائهين غائبين عن الوعي مبهورين بمخلوقات خيالية معها كرات نار وتدخل بين أسلاك حواسيبهم الآلية لتحل محل أبطال ألعابهم الرقمية.. فالخيال الذي كان يأخذنا من صفحات الكتاب إلى أعماق البحار وبين الكواكب لم يعد يستطيع مجاراة الخيال الجاهز الذي يقدمه البث الفضائي على مدى أربع وعشرين ساعة متواصلة... أما إعلام الطفل العربي وتقنياته، فبالرغم من أنه تقدم كثيرًا عن ذي قبل، فإنه لم يستطع حتى الآن أن يتواكب مع صواريخ الغرب الإعلامية، التي تقولب عقلية الطفل في اتجاهها، خاصة في السنوات الخمس الأولى من عمره، التي تعد أهم فترات بناء الشخصية.
          إنها هموم ثقافية تربوية إعلامية، ربما تحتاج أول ما تحتاج إلى عمل ما يشابه التكامل بين إيجابيات نشأتنا وإيجابيات نشأة أطفالنا.. ومحاولة تفادي سلبيات تربيتنا وتربيتهم على حد سواء.. وإن لم نستطع أن نمنع عنهم الإعلام السيئ، فلا أقل من أن نشرح لهم ونقترب منهم ونتفهّم احتياجاتهم، التي اختلفت عن احتياجاتنا يوم أن كنا مثلهم.. وأن نمدهم بحبل نجاة واحد يساعدهم على الخروج منه عندما يصلون لوقت التكليف.. فأن نتركهم طيلة طفولتهم دون تبصير وتوعية ثم نفاجئهم حين يكبرون بالحقائق.. فتلك هي المصيبة لأن العقل المقولب من الصعب تغييره إلا من رحم ربي..





ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق