الخميس، 19 يوليو، 2012

أسلحة خطرة ضد التجاعيد

أسلحة خطرة ضد التجاعيد

          لا يتقبل الإنسان - إلا ما ندر - مظاهر الشيخوخة التي تذكره بفوات الزمن، ومن أكثر هذه المظاهر استقطابا للرفض - لدى النساء خصوصا - تجاعيد الوجه، لهذا ينخرطن في رحى حرب ضروس ضد التجاعيد، ويخضعن في حربهن هذه لاستخدام أسلحة خطرة، قد ترتد طلقاتها عليهن، ومن ثم وجب التبصير.
          أسلحة الإنسان في الحرب ضد تجاعيد وجهه عديدة ومتنوعة، وأحدث هذه «الأسلحة» هي طريقة زيادة الحجم أو الملء بمواد قابلة للحقن، وهذا ما سنكتفي بالمرور عليه غير متطرقين لأسلحة أخرى عديدة  كتلك التي تعتمد على الجراحة أو على شل عضلات الوجه وإرخائها عبر حقن مواد دوائية من فصيلة البوتوكس الشهير.
          لقد تطورت العناية الطبية في العصر الحديث وتحسنت نوعية حياة المرضى بشكل عام، وبعدما كان المطلوب من الأطباء  بالدرجة الأولى تشخيص الأمراض وعلاجها وتخفيف معاناة المرضى وتحسين نوعية حياتهم، أضيفت إلى مهماتهم في أيامنا هذه مهمة جديدة هي منع أو تخفيف العلامات المحتومة للشيخوخة. ومن أهم مظاهر الشيخوخة فقدان أو إعادة توزيع الشحم والكولاجين في الوجه، مما يؤثر على الأقواس والامتلاءات الشبابية ويؤدي إلى نقصها مع تقدم العمر، بالإضافة إلى التجاعيد الوجهية السكونية والحركية. وقد قاد الاهتمام بهذه التبدلات في العقود الأخيرة إلى انبثاق وتوسع الجراحة التصحيحية، أما اليوم فهناك ميل للمقاربات غير الباضعة. وإذا كان لكل مظهر من مظاهر شيخوخة الوجه أكثر من وسيلة علاجية لتصحيحه، فإن هذه التقنيات توظف في الغالب لتعمل معاً بشكل متآزر، ويبدو أن زيادة الحجم الوجهي تشكل مكوناً مهمًا من مكونات برنامج إعادة شباب الوجه الشامل. وسنعطي في ما يلي لمحة مختصرة عن أهم وأشيع وأحدث المالئات الجلدية المتاحة حالياً للاستخدام الطبي التجميلي:
الشحم الذاتي
          يقصد به نقل كميات من الشحم من منطقة ما في الجسم، كالبطن أو الفخذ، إلى المنطقة المراد معالجتها، وهي هنا الوجه. ولايزال الشحم الذاتي واحداً من أكثر المالئات الجلدية شيوعاً وقبولاً، لأنه مأخوذ من نفس الجسم، ولا خوف بالتالي من رفض الجسم مناعياً له، كما أنه متوافر بغزارة ورخيص التكلفة وقابل للتحلل الحيوي. أما مدة ودرجة استمرارية طُعم الشحم الذاتي في الناحية المستقبِلة ـ بكسر الباء ـ فيعتمد على نوع التقنية التي استخدمها الطبيب المعالج وعلى عوامل أخرى تتعلق بالمريض نفسه، مثل عادات التدخين واستخدام مانعات تخثر الدم (لهما تأثير سلبي في استمرارية الطُعم)، كما أن للعناية الطبية مع الانتباه للتفاصيل الدقيقة تأثيرا معززاً لاستمرارية الطُعم الشحمي، ولذلك يمثل هذا الإجراء  تحدياً جدياً للطبيب المبتدئ للوصول بنجاح إلى النتائج المرغوبة، مع الإشارة إلى أن التقنيات المستخدمة وسبل العناية الطبية هي محل تطوير مستمر، وهناك تقارير حديثة عن تقنيات تعطي نتائج جيدة طويلة الأمد.
كولاجين البشر، والبقر، و..
          هو أحد المكونات المهمة لطبقة الأدمة الجلدية، ولذلك فمن الطبيعي تماماً  استخدامه لغايات تجميلية وخصوصاً لمحاربة التجاعيد. من هنا، ربما، كان الكولاجين البقري القابل للحقن أول مالئ جلدي يُمنح موافقة منظمة الغذاء والدواء الأمريكية منذ أكثر من 25 سنة. حالياً توجد مصادر متعددة للكولاجين القابل للحقن المتوافر في الأسواق (بشري، بقري، ومن حيوانات أخرى!). وإذا كانت المستحضرات القديمة المستخلصة من الأبقار تتطلب اختباراً للحساسية الجلدية قبل البدء باستخدامها لدى مريض معين، فإن الكولاجينات القابلة للحقن الأحدث لا تتطلب اختبارات تحسسية جلدية. كما أن هناك مستحضرات حديثة مستخلصة من الخنازير بتقنية مبتكرة هي تقنية الروابط المتصالبة Cross-linking، وهي تعطي على ما يبدو نتائج طويلة الأمد لتصحيح الثنيات الأنفية الشفوية بشكل خاص. على العموم تمتاز المنتجات الكولاجينية بكونها آمنة وتعطي نتائج مرضية، بل ومثيرة للإعجاب، وبالتالي سوف تبقى واحدة من أكثر الخيارات شيوعاً لملء الجلد.
حمض الهيالوروني
          وهو موجود بشكل طبيعي كأحد مكونات الأنسجة الضامة في جسم الإنسان. ولأن تركيبته متشابهة بين جميع الأنواع الحية فإن تأثيراته المناعية العكسية نادرة. كما أن له خصائص محبة للماء مما يسمح له بجذب جزيئات الماء والارتباط بها. وعلى الرغم من أن كل مستحضرات حمض الهيالوروني القابلة للحقن تحتوي في الأساس على نفس جزيء الحمض، إلا أنها تشكل عائلات عدة، وهناك اختلافات بينها تتعلق بعدة عوامل: كمية أو تركيز حمض الهيالوروني، درجة التصالب، كمية البروتينات المندمجة، مما يؤثر في خواص الجريان ومظاهر التدفق ووضع الهدف ضمن الطبقة تحت الجلدية. وأخيراً منحت منظمة الغذاء والدواء الأمريكية ترخيصاً لمستحضر جديد يحتوي على تركيز عال من حمض الهيالوروني ممزوج بالليدوكائين الذي يمكن أن يخفف معاناة المرضى أثناء إجراء الحقن لكونه مخدراً.
          على كل حال هناك تنوع كبير في مستحضرات حمض الهيالوروني، ويمكن استخدامها بطرق متعددة (حقن أدمي أو تحت أدمي أو تحت جلدي أو حول العظام)، ومن النادر أن تحدث ارتكاسات مناعية ضارة، وهذا كله يجعل لحمض الهيالوروني مرتبة أساسية بين المالئات الجلدية القابلة للحقن.
(ك.هـ.أ)
          (ك.هـ.أ) هو كالسيوم هدروكسيل أباتيت، وهو المكون المعدني الرئيسي للعظام والأسنان، وقد استعمل لأكثر من عقد من السنوات في طب الأسنان والجراحة الترميمية بشكل آمن تماماً. وأخيرًا طرح في الأسواق مستحضر يحتوي على جزيئات (ك.هـ.أ) المجهرية معلقة في هلام عديد السكريات، استخدم بشكل ناجح وفعال لزيادة الأنسجة الرخوة لأغراض تجميلية. لا يحتوي هذا المستحضر على مشتقات حيوانية، وبالتالي ليس من الضروري إجراء اختبار تحسس جلدي. أما آلية تأثيره فتقوم على ما يبدو على كون جزيئات (ك.هـ.أ) الصغيرة تتصرف بعد أن تحقن كـ «سقالة» Scaffold  للكولاجين لكي ينمو. ومع مرور الوقت تذوب جزيئات (ك.هـ.أ) ببطء ضمن شوارد الكالسيوم والفوسفات عبر آليات الاستقلاب الطبيعية.  تشير بعض الدراسات إلى أن عملية التصحيح يمكن أن تستمر حتى 18 شهراً. كما تجدر الإشارة إلى أن مركب (ك.هـ.أ) ليس شفافاً شعاعياً، وبالتالي من الممكن رؤيته على صور الأشعة السينية العادية.
(ب.ل.ل.أ)
          هو بوليمير تركيبي لحمض اللبن (حمض اللاكتيك) قابل للتحلل الكيميائي، وغير سام، وغير فعال مناعياً. وقد استخدم على مدى أربعة عقود مادة للتقطيب (الخياطة الجراحية). وهو إذا أردنا الدقة ليس مالئاً كلاسيكياً، بل هو مجرد محرض على تشكيل كولاجين جديد. يحقن في الأدمة العميقة أو تحت الجلد بتقنية النفق أو الخيط، ومن المهم توزيع المادة بشكل متجانس منعاً لتشكل أورام حبيبية ارتكاسية. تكرر عملية الحقن ومع كل حقن جديد يحدث تحريض على تشكل كولاجين جديد. يحتاج الأمر وسطياً إلى ثلاثة أشهر من المعالجة للوصول إلى النتائج المرغوبة، مع أن الدراسات الأولية تشير إلى حدوث زيادة في سماكة الجلد بشكل باكر بعد 6 أسابيع من الحقن، كما أن التأثيرات المرغوبة يمكن أن تستمر حتى 96 أسبوعاً، مما يجعل منه خياراً جديراً باهتمام الأطباء.
السيليكون
          يشتق زيت السيليكون من السيليكا، وقد استخدم على مدى عقود لملء الجلد وتصحيح الندبات، وأثار كثيراً من الجدل بسبب تأثيراته الجانبية الضارة مما أكسبه سمعة سيئة و أدى إلى تراجع استخدامه سنوات، قبل أن يعود إلى الواجهة حديثاً من خلال مستحضر سيليكون 1000، وهو يحقن بطريقة التقطير داخل المسافة الواصلة بين الأدمة والطبقة تحت الجلد، ويعاد الحقن كل 4 - 6 أسابيع، ويحذر خصوصاً من الحقن المفرط، إذ إنه من المعروف أن الأورام الحبيبية التي سببها السيليكون في ما مضى كانت تنتج عن الحقن الزائد أو عن الغش في مادة السيليكون المستخدمة. من جهة أخرى وبما أن السيليكون المحقون يستمر طويلاً فهو لا يتطلب اختباراً جلدياً ولن يكون مساعداً لنمو الجراثيم. كما أن تكلفته ـ بالمقارنة مع مالئات جلدية أخرى متوافرة في السوق ـ تجعل منه خياراً جذاباً. على كل حال هناك حاجة إلى إجراء المزيد من الأبحاث حوله قبل أن تتعزز مكانته تماماً في ميدان التجميل.
(ب. م. م.أ)
          (ب.م.م.أ) هو مالئ مزدوج التأثير، فهو مستمر، أي يملأ الفراغات بنفسه، ومحرض أي يحرض على تشكل كولاجين جديد. وتقوم آلية عمله على تعليق جزيئات (ب.م.م.أفي مركب كولاجيني، وبعد الحقن يتحلل الكولاجين بسرعة مخلفاً جزيئات (ب.م.م.أ) تسبح بشكل غير محدد، ولاحقاً يؤدي رد فعل الكولاجين تجاه تلك الجزيئات إلى خلق حجم. إذن ـ بخلاف المالئات المؤقتة ـ يختفي هنا التأثير المالئ المباشر بشكل أسرع، إنما مع الوقت يتأسس تصحيح تدريجي بطيء ولكن طويل الأمد. من الممكن أن تحدث أورام حبيبية، ولكن إجراء الحقن باستخدام تقنية الخيط أو النفق وبشكل متسلسل في نقاط منتقاة بعناية يمكن أن يعطي تصحيحاً طويل الأمد.
تأثيرات غير مرغوبة
          يمكن أن تعزى المضاعفات الناشئة عن عملية الملء أو زيادة النسيج اللين إلى واحد من ثلاثة: المريض أو الطبيب أو المستحضر المستخدم. فاختيار المريض الملائم والمستحضر المناسب هما ضمانة للحصول على النتائج المرغوبة، ولكن حتى لو أحسنا الاختيار فقد تحدث مضاعفات!
          تشمل المضاعفات الباكرة الشائعة: نزف (تكدم أو ورم دموي)، ألم، تورم، احمرار. وبغية تقليل أو تخفيف هذه المضاعفات ينبغي وقف جميع الأدوية التي تعيق التخثر الدموي (مركبات حمض الصفصاف، مضادات الالتهاب غير الستيروئيدية، الكحول المفرط...) ومن الطبيعي أن يتم ذلك بعد استشارة الطبيب المشرف. بالإضافة إلى إمكان استخدام التخدير الموضعي والكمادات الضاغطة الباردة لتخفيف معاناة المريض. وهناك مضاعفات خطيرة نادرة الحدوث مثل التنخر الجلدي والعمى، وهذه تتطلب تشخيصاً سريعاً وتدخلاً مباشراً لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
          أما المضاعفات المتأخرة فهي: التهاب مزمن، ارتكاسات تحسسية آجلة، عقيدات، أورام حبيبية، اضطرابات لونية، ندبات ضخامية. وجميع هذه التأثيرات لا يمكن التنبؤ بها، ولكن في حال حدوثها يجب أن تكتشف باكراً وتعالج بسرعة، لإنقاص شدتها ومنع بدء العقابيل الدائمة التي تظل هاجساً دائماً لدى الأطباء ولدى المرضى على حد سواء، وينطبق على هذه الحالة المثل الشعبي القائل: «من تحت الدلف لتحت المزراب»!.
ليست نهاية العالم ياصغيري
          لاينبغي ان نبدي فزعنا عند ارتكاب الصغار هفوات غير مقصودة، حتى لوكانت مزعجة مثل سكب الحليب على طاولة الطعام، فهدوؤنا سيعلمه أن ارتكاب هفوة ليست نهاية العالم، فسكب الحليب أمر مؤسف، لكن المهم ان نستطيع تنظيف الطاولة، فبهذه الطريقة سيتعلم الصغير آلية التماسك في مواجهة المشكلات الكبيرة التي ستعترضه عندما يكبر، وسيتعلم بعضا من فضيلة الصبر والتسامح.




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق