الأربعاء، 18 يوليو، 2012

ألمثقف العربي وانفجار الأسئلة

معنى الثقافة
الثقافة ماذا تعني؟ وما دلالاتها عبر العصور؟ أسئلة تراودنا ونحن نبحث في مواضيع تخص الثقافة أو الحضارة في جوانبهما الكثيرة المتعددة المناحي والشعاب والمضامين. وأول ما يخطر ببالنا هو التفسير اللغوي للفظة ثقافة، فبتخريجها نستنتج معاني عديدة تفيد الحذق، والخفة في العمل، والفهم السريع، والادراك الواعي، والظفر والتقويم. وأصبح التثقيف يرتبط بالتربية كما الاعوجاج بالجهل والغباء. والآن صارت اللفظة تحمل معاني الإطلاع الواسع اللامحدود على المعارف المتنوعة والأفكار والفلسفة والعلوم وغيرها وذلك مع اتصال ثقافتنا بالثقافة الغربية، فكان التمهيد لاستعمال هذه اللفظة بمعناها الحاضر.
المثقف العربي
هل المثقف العربي متهِم أو متهَم؟ هل ضغوط السلطة وضغوط المجتمع من جانب آخر هي التي تحول بينه وبين أداء دوره كاملاً، أم ثمة أسبابًا مردها إليه، سواء اتصلت بممالأته السلطة والمجتمع، أو اتصلت بمبلغ إدراكه مطالب المجتمع ومرتجياته؟ وفوق هذا وذاك ما هو مدى التزام المثقف العربي بفكره وثقافته بل ما مدى عمق انتمائه إليهما.
مأزق الوعي
هل بوسع المثقف العربي أن يصنع شيئًا على حد ما يصنع أي مثقف في وطنه؟ وهل ما زال يحلم بقدرته على أن يزرع في جنان الأرض بذور فكرة تختمر فتنمو وتولد طاقة. إن صناعة الأفكار حين يقتنع بها أهل القرار فيحولونها إلى طاقة تتحرك فتدفع قاطرة التاريخ، هي تلك التي ينتجها المثقف. يقول أدونيس: " عندما اقرأ نصًا عظيمًا أشعر أنه ينتصر عليّ، ما أغنى وما أجمل هذه الهزيمة" فإذا كانت قراءة النص العظيم هزيمة فهل يبرز في وطننا العربي من يهزمنا ويسيطر علينا؟ فالسيطرة على الكون تتم من خلال ثلاثة نواميس: الحياة، العمل، واللغة. إن الكون لغة والعالم تسمية وإن الفعل الأعظم بيد الإنسان هو تعيين الأشياء بواسطة الكلمات على أن يسيطر على الوجود حين يسيطر بالأسماء على المسميات.
مثقف ومثقف
بعد سقوط الأبراج انبرى صناع التاريخ- المحركون لقطاره كالجالسين على مراكبه- للتساؤل: من نحن؟ وكان أول المتسائلين هو المثقف الوصي على جراحات الناس. ولكن المثقف العربي كان تساؤله مختلفًا عن المثقف الآخر لأن تسآله كان مثلث الأضلاع. كان يتساءل عن الحدث، وعمن صنع الحدث، وعمن يصنع القرار بعد الحدث. كان المثقف العربي يتساءل ولا يسائل، لأنه كا مهمومًا باستراتيجية خطابه أكثر مما كان عاكفًا على مضمون خطابه، وعليه أن يرضى سامعه او قارئه طبقًا لقناعاته، وكان عليه ألا يغضب المؤسسة الحارسة له والحارسة لسامعيها ولقرائه.
صناعة التاريخ
لقد كان سقوط الأبراج فاجعة سياسية. وما جاء بعد سقوط الأبراج فاجعة إنسانية. ومنذ انحدرت الأبراج تبدلت العلاقة التي بين المثقف ونشرة الأخبار. وأصبح متعذراً أن ينفصل الكيان المعرفي عن السياسي، وحصل الاختراق الذي شق الانفاق بين مواطنة المثقف وثقافة المواطن. واقتنع المثقف بأن التحولات السياسية الكبرى في تاريخ الإنسانية إنما يهيئها المثقفون من حيث هم قادة الفكر، ولا يأتمر قادة المجتمع بشيء كما يأتمرون بوصايا الفكر، حتى ولو أظهروا تبرمًا عابراً، وهم أول من يعرفون بأنه ما من أحد تمرد على قانون التاريخ إلا وكان حتفه في تمرده. ويطمئن المثقف إلى أن قادة الفكر والمثقفون هم المهندسون لمعمار التاريخ، وما السياسيون إلا مقاولون يتولون إنجاز العمل. وأن الفكر هو الذي يصنع التاريخ.
ألوان الطيف
إن المثقف العربي يعرف نفسه ويحدد وظائفه بناء على ما يمتلكه هو، ولا يمتلكه صاحب القرار. المثقف هو الذي يستبصر ألوان الطيف بأكمها، وهو الذي يزكي قرارًا ويعترض على آخر وإن وقعتهما يد واحدة. ويعترف بقدرة العقل على الفعل في التاريخ.
خاتمة
 وهكذا نرى أن العلاقة بين المثقف العربي والمجتمع علاقة دائرية، علاقة تأثر وتأثير متبادلين. فضغوط المجتمع كثيرًا ما تحول بين المثقف العربي وبين الانطلاق الحر الكامل في معارج الإبداع والعطاء بصوره الكثيرة. إن فقر المحتوى العلمي والعقلي والتغييري والتجديدي لعطاء المثقف العربي، وعجزه عن الغوص في أعماق حاجات المجتمع من أجل ادراك مستلزمات تغييره، وضعف التزامه بما تمليه عليه ثقافته، كلها أمور تجعل قدرته على مخاطبة المجتمع منقوصة ومقصرة عن مداها.
وخلاصة القول إن انشغال الكثرة من المثقفين العرب عن الغوص في أعماق حاجات المجتمع العربي، وعن تحسس شغل التغيير والتجديد التي تغلي في باطنه، جعلهم في غربة عنه، وعطّل دورهم الأساسي دون تغييره من خلال الكشف عن حاجاته العميقة وصبواته الكامنة، بل إن بعض المثقفين حسبوا الظاهر باطنًا، والعابر باقيًا، والزائف صحيحًا فجعلوا مهمتهم ودورهم تخليد البنى البالية، والقيم المغلوطة، والمفاهيم الشائعة الخاطئة.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق