الأحد، 26 أغسطس، 2012

الطفل بين العنف العاطفي والعنف البدني


تعرض الطفل للعنف العاطفي لا يقل قسوة عن ‏العنف البدني
     يعد التماسك الأسري من أهم العوامل المكونة لشخصية الطفل والذي له تأثير مباشر فيه، ‏والأسرة هي المحيط المباشر الذي يعيش فيه الطفل، والذي يتأثر نموه النفسي والاجتماعي ‏حسب استقرار هذا العامل، ولذلك من الضروري اتباع معاملة سليمة معهم من قبل الأسرة، ‏خصوصاً وأن الأطفال هم أساس المستقبل.

     غير أن الطفل قد يواجه اضطرابات عديدة تعيقه ‏من النمو السليم وتهدّد مستقبله خصوصاً ظاهرة العنف الأسري التي تعد من المشاكل الراهنة ‏في حياتنا المعاصرة ويصور بعض الدارسين "العنف الأسري" أو "العنف المنزلي" بوصفه ‏ظاهرة اجتماعية مهمة قد تحدث في محيط الأسرة، مع أنه عادة ما يصور المنزل الأسري ‏‏"كملاذ آمن" يتلاءم مع ضغوط الحياة المعاصرة، ولكن لابد في المقابل من النظر إليه أيضاً ‏على أنه قد يكون موقعاً للعنف الموجه ضد الأطفال "‏
Child Abuse‏" أو ما قد يعبر عنه في ‏بعض الأحيان بإساءة معاملة الأطفال "‏Child Maltreatment‏".
     ويشير الطبيب النفسي الأمريكي بايرون إيجلاند بعد إجرائه عدة دراسات عن تربية الأطفال ‏ونمو الطفل في المراحل الأولى من عمره، إلى أن الآثار الناتجة عن تعرض الطفل للعنف ‏العاطفي لا تقل قسوة وتدميرًا عن العنف البدني.
     فهذا النوع من الأطفال يعاني قصورًا في ‏تطور قدراته العقلية والنفسية مع تقدمه في العمر أكثر من الأطفال الذين يتعرضون للعنف ‏البدني. ويرجع هذا إلى أن العنف العاطفي يدمر ثقة الطفل بنفسه بصفة مستمرة. ونركّز هنا ‏على كونه يتم بصفة مستمرة.‏
     ويقول أحد أطباء علم النفس: "إن الطفل الذي يتعرض للعنف البدني يتجنب ولي أمره خوفاً ‏من أن يتعرض للضرب. وكذلك الطفل الذي يتعرض للعنف العاطفي يفعل الأمر نفسه تفادياً ‏لشعور الإحباط الناتج عن الرفض والتجاهل والحرمان.
     إن غياب الأبوين عاطفياً يدمر نفسية ‏الطفل، حيث إن الطفل حينئذ لا يحصل على أي من المكافآت أو وسائل الدعم والتشجيع عن ‏حبه للإستطلاع وتقدمه في النمو وتفوقه. فلنتخيل رد فعل أبوين يعاملان طفلهما بشكل طبيعي ‏حين يخطو أولى خطواته. ستجد هذا اليوم مخلداً في ذاكرتهما ويصبح سبباً لهما كي يتفاخرا ‏به أمام الناس. أما في بيت يسوده الغياب العاطفي، يتجاهل الأبوان مثل هذه الأشياء. فحتى إذا ‏لاحظ أحد الأبوين أو كلاهما إنجازًا جديدًا حققه الطفل، يكون ذلك ممزوجًا بمشاعر نفاد ‏الصبر، على الرغم من أن الطفل الذي يتعلم المشي لأول مرة لا يحتاج منهما سوى بعض ‏الانتباه والاهتمام.‏
     لقد تعممت ظاهرة العنف ضد الأطفال في المجتمعات العربية والغربية على حد سواء، فقد ‏ذكر تقرير رسمي بريطاني أن 200 ألف طفل يتعرضون لمخاطر الإيذاء الجسدي والعنف ‏داخل منازلهم.‏ وقال لورد ليمنج كبير المفتشين السابق للخدمات الاجتماعية في تقريره إنه يجب على الوزراء ‏ومجلس الوزراء ومدراء العمل الاجتماعي وموظفي الصحة وضباط الشرطة العمل بشكل ‏أكبر للمحافظة على سلامة هؤلاء الأطفال. وانتقد لورد ليمنغ فى تقريره الوزراء لفشلهم في ‏القيام بأي تحسينات كان قد نادى بها قبل ثمان سنوات، مشيراً إلى ان 350 ألف طفل يتعاطى ‏آباؤهم المخدرات إلى جانب 1.3 طفل يعيشون مع آباء يشربون الكحول بإفراط.‏ كما وذكرت صحيفة "ديلي تيلغراف" البريطانية أن 55 طفل قتلوا على يد أقاربهم أو معارفهم بما ‏فيهم طفل يبلغ من العمر عشرة شهور كان تعرض للضرب حتى الموت في منزله بشمال ‏لندن.‏
     الأمر نفسه ينطبق على الدول العربية ففي السعودية ـ على سبيل المثال ـ أكدت دراسة ‏محلية تعرّض 21 بالمئة من الأطفال السعوديين للإيذاء بشكل دائم، وكشفت الدراسة التي ‏أجراها مركز مكافحة أبحاث الجريمة بوزارة الداخلية، تفشي ظاهرة إيذاء الأطفال في ‏المجتمع السعودي بشكل عام، حيث اتضح أن 45 بالمئة من الحالات يتعرضون لصورة من ‏صور الإيذاء في حياتهم اليومية، حيث يحدث الإيذاء بصورة دائمة لـ21 بالمئة من الحالات، ‏في حين يحدث لـ24 بالمئة أحياناً.
     ويمثل الإيذاء النفسي أكثر أنواع الإيذاء تفشياً بنسبة 33.6 ‏بالمئة يليه الإيذاء البدني بنسبة 25.3 بالمئة وغالباً ما يكون مصحوباً بإيذاء نفسي، يليه ‏الإهمال بنسبة 23.9 بالمئة.
      واحتل الحرمان من المكافأة المادية أو المعنوية المرتبة الأولى ‏من أنواع الإيذاء النفسي بنسبة 36 بالمئة تليها نسبة الأطفال الذين يتعرضون للتهديد بالضرب ‏‏32 بالمئة ثم السب بألفاظ قبيحة والتهكم بنسبة 21 بالمئة ثم ترك الطفل في المنزل وحيدا مع ‏من يخاف منه "خاصة الخادمات". ‏
أكثر صور الإيذاء البدني تفشياً هي الضرب المبرح للأطفال بنسبة 21 بالمئة، يليها تعرض ‏الطفل للصفع بنسبة 20 بالمئة ثم القذف بالأشياء التي في متناول اليد بنسبة 19 بالمئة ثم ‏الضرب بالأشياء الخطيرة بنسبة 18 بالمئة ثم تدخين السجائر والشيشة في حضور الأطفال ‏بنسبة 17 بالمئة.
ومن أبرز صور الإهمال التي احتلت المرتبة الثالثة من أشكال الإيذاء التي يتعرض لها ‏الأطفال في السعودية، هي عدم اهتمام الوالدين بما يحدث للطفل من عقاب في المدرسة بنسبة ‏‏31 بالمئة.
     هذه النتائج التي تشير إلى قساوة الوضع الذي يتعرض إليه الأطفال في العالم لا يتماشى ‏ومبادئ الإعلان العالمي لحقوق الطفل من ذلك ما أقرته اتفاقية حقوق الطفل رقم 260 لسنة ‏‏1990 في مادتها السادسة عشرة من أنه "لا يجوز أن يجري أي تعرض تعسفي أو غير ‏قانوني للطفل في حياته الخاصة أو أسرته أو منزله أو مراسلاته، ولا أي مساس غير قانوني ‏بشرفه أو سمعته".
وللطفل حق في أن يحميه القانون من مثل هذا التعرض أو المساس به". ‏وما فتئت منظمة الأمم المتحدة تقرّ بأن الطفل ـ كي تترعرع شخصيته ترعرعاً كاملاً ‏ومتناسقاً ـ ينبغي أن ينشأ في بيئة عائلية في جو من السعادة والمحبة والتفاهم.
‏      وترى أنه ينبغي إعداد الطفل إعداداً كاملاً ليحيا حياة فردية في المجتمع وتربيته بروح المثل ‏العليا المعلنة في ميثاق الأمم المتحدة، وخصوصاً بروح السلم والكرامة والتسامح والحرية ‏والمساواة والإخاء.‏
     وتشير منظمة الأمم المتحدة للطفولة "اليونيسيف" في أحد تقاريرها إلى أن الأطفال الذين ‏يعيشون في ظل العنف المنزلي لا يتحملون معاناة العيش في محيط يتّسم بالعنف فحسب، بل ‏قد يصبحون أيضاً ضحايا للإيذاء. ويقدَّر أن 40 في المائة من الأطفال الذين كانوا ضحية ‏لسوء المعاملة أبلغوا أيضاً عن وجود عنف في منازلهم.
     وحتى عندما لا يتعرّض الأطفال مباشرة إلى الإيذاء البدني، فإن معايشتهم للعنف المنزلي ‏يمكن أن تترك لديهم تأثيرات شديدة ودائمة. وتبدأ هذه التأثيرات في مرحلة مبكرة إذ تبيّن ‏الدراسات أن احتمالات التعرُّض للعنف المنزلي لدى الأطفال الأصغر سناً أكبر منها بين ‏الأكبر سناً، والذي من شأنه أن يعوق نموهم العقلي والعاطفي في مرحلة مهمة من مراحل ‏نمائهم.‏
     ويواجه الأطفال المعرضون للعنف المنزلي، في مراحل مختلفة من نموّهم، طائفة من ‏التأثيرات المحتملة منها ضعف الأداء المدرسي وقلة المهارات الاجتماعية والاكتئاب ‏والإحساس بالقلق وغير ذلك من المشاكل النفسية. كما يذكر التقرير أنهم أكثر عرضة لتعاطي ‏المخدرات والحمل في فترة المراهقة والانحراف.‏
     ويجد التقرير أيضاً أن أفضل عامل يُنبئ بمواصلة الأطفال دوامة العنف المنزلي - إما ‏كمرتكبين له أو كضحايا - يتوقف على ما إذا كانوا ينشأون في منزل يمارس فيه العنف. ‏وتبيّن البحوث أن معدلات الإيذاء أعلى بين النساء اللائي كان أزواجهن قد تعرضوا لإيذاء ‏وهم أطفال أو شاهدوا أمهاتهم يتعرضن للاعتداء.
     كما وجدت دراسات عديدة أن الأطفال الذين ‏ينتمون إلى أسر يمارس فيها العنف تبـدو عليهم دلائل سلوك أكثر عدوانية وتزيد احتمالات ‏تورطهم في الشجارات بمقدار ثلاث مرات.
     ‏ويحث التقرير الحكومات والمجتمعات على إيلاء مزيد من الإهتمام للاحتياجات المحددة ‏للأطفال الذين يعيشون في أسر يمارس فيها العنف المنزلي. ويحدد أيضاً الحاجة إلى تحسين ‏رصد انتشار العنف المنزلي والإبلاغ عنه من أجل إلقاء الضوء على هذه القضية الخفية.‏
     وللحكومات دور حيوي في كسر دوامة العنف المنزلي وحماية ضحاياه من الأطفال، وهي ‏مدعوّة إلى القيام بمايلي:‏
1. التوعية بأثر العنف المنزلي على الأطفال من خلال شن حملات توعية عامة وبذل جهود ‏للطعن في المعتقدات والعادات التي تتغاضى عن العنف. ‏2. وضع سياسات عامة وقوانين تحمي الأطفال إذ يجب على الحكومات أن تسن قوانين وسياسات ‏تجرِّم العنف المنزلي وتحمي جميع ضحاياه وأن تقوم بإنفاذ تلك القوانين.3. تحسين الخدمات الاجتماعية التي تعالج أثر العنف في المنزل على الأطفال فالتدخلات التي ‏تدعم الأطفال الذين يتعرضون للعنف المنزلي تساعد على الحد من المخاطر طويلة المدى ‏بالنسبة لهؤلاء الأطفال ويجب تمويلها تمويلاً كافياً وتوسيع نطاقها.‏
وأوصى المؤتمر العربي الإقليمي الثالث لحماية الطفل الذي انعقد في العاصمة السعودية ‏الرياض بإعداد استراتيجيات وخطط وطنية للوقاية والتصدي للعنف ضد الأطفال، مستفيدين ‏في ذلك من توصيات دراسة للأمين العام للأمم المتحدة بشأن العنف ضد الأطفال، على أن ‏تشمل نظماً وآليات فاعلة، ومتعددة القطاعات للتبليغ الملزم والاستجابة والتدخل والتأهيل.‏
     ووفق التوصيات التي جاءت في الجلسة الختامية للمؤتمر العربي الإقليمي الثالث لحماية ‏الطفل، طالب الخبراء والمختصون بضرورة تفعيل وسن التشريعات والقوانين اللازمة لحماية ‏الأطفال، مع توفر آليات لضمان تطبيقها، مع أهمية تشجيع البحوث والدراسات والمسوح ‏الوطنية الشاملة للتعرف على أنماط العنف ضد الطفل في الدول العربية، وإيجاد نظم وآليات ‏وطنية لجمع البيانات والمعلومات المتعلقة بالعنف ضد الأطفال.
وكان برنامج الأمان الأسري ‏الوطني في السعودية قد نظم المؤتمر تحت شعار "نعمل معاً من أجل طفولة آمنة"، وأكد ‏المؤتمر على ضرورة تشجيع البحوث والدراسات والمسوح الوطنية الشاملة للتعرف على أنماط العنف ضد الطفل في الدول العربية، وإيجاد نظم وآليات وطنية لجمع البيانات ‏والمعلومات المتعلقة بالعنف ضد الأطفال.‏
     وأكد المؤتمر على ضرورة حظر كافة أشكال العقاب البدني على الأطفال في كافة المؤسسات ‏التعليمية والاجتماعية وفي داخل الأسرة، والعمل على إيجاد بدائل تعتمد أساليب التربية ‏الإيجابية، منوهين بأهمية تنسيق الجهود بين كافة الجهات الحكومية وغير الحكومية، ‏والمنظمات العربية والإقليمية والدولية عند وضع الخطط والاستراتيجيات التي تعنى بحقوق ‏وحماية الأطفال.‏
     وأقر الخبراء والمختصون على ضرورة توفير وتعزيز الخدمات الصحية والنفسية والاجتماعية والقانونية المطلوبة من أجل تقييم وعلاج وتأهيل الأطفال ضحايا العنف وأسرهم. ‏كما أوصوا بالعمل على الحد من العنف ضد الأطفال في وسائل الإعلام ووسائل الاتصال ‏الحديثة، والعمل على تطوير قدرات الإعلاميين للتعاطي مع قضايا العنف ضد الطفل بصورة ‏أكثر فعالية.
     كما طالبوا بدعم شبكة الإعلاميين العرب لمناهضة العنف ضد الأطفال وإيجاد ‏شبكات وطنية منبثقة منها. ودعا الحضور إلى العمل على دعم وتأسيس برلمانات الطفل ‏لتفعيل مشاركتهم في وضع السياسات والاستراتيجيات الخاصة بهم، مطالبين بدعم جهود ‏مؤسسات المجتمع المدني في مجال حقوق الأطفال وحمايتهم.‏
     وأكد الخبراء والمهتمون في مجال حقوق الطفل على ضرورة دعم إنشاء خطوط نجدة الطفل ‏في الدول العربية كآلية من آليات حماية الأطفال، كما ناشدوا دعم الشبكات العربية والإقليمية ‏والوطنية العاملة في مجال حماية الأطفال.‏






ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق