السبت، 18 أغسطس، 2012

حضن الأم هو أمان الطفل


قنوات التهدئة طريقك إلى قلب ابنك...
ما الذي يجعل الطفل يسكت بين ذراعي أمه؟
لماذا التودد واللعب مع الطفل منذ الصغر مهمًا؟
لماذا يتعلق الأطفال بالخادمات أكثر من أمهاتهم؟
انتبهي! الطفل لا يرضع الحليب فقط، بل الحنان أيضًا

كيف تتكون انطباعات الألفة والأمان في وعي الطفل؟ سؤال تنطوي إجابته على اكتشاف طريق لبلوغ مدارج الألفة.. والأمان
          ألا تتذكر عندما كنت في زيارة أحد أقربائك، وحاولت حمل طفلهم الصغير،
 وإذا به يصيح رافضًا الزائر الدخيل، وتعلق على ذلك: «لابد أنه لا يحبني»، فدفعًا للإحراج تقرر إرجاعه إلى أمه، وبمجرد أن يلامس الطفل راحة أمه، يهدأ ويسكت، على الرغم من أنه لم ير وجه أمه، فقد كانت عيناه منشغلتين بالبكاء بسببك، ترى ما الذي يدفع الرضيع لرفضك، وقبول أمه؟
          إن التفكير في هذا الأمر يفتح أسرارًا عظيمة في طبيعة عمل الدماغ البشري، الذي يبدأ بإظهار عبقريته في مراحل متقدمة جدًا من عمر صاحبه. يبدأ عقل الطفل بتخزين صور مختلفة عن أمه، فيخزن صورة أمه وهي جالسة، وهي واقفة، وهي تمشي، وهي مبتسمة، وهي سعيدة أو حزينة، وهي تلبس اللباس الفلاني، وتسرّح شعرها بالشكل الفلاني، وجميع الأوضاع والحركات والصور، ويخصص ملفًا خاصًا في ذاكرته، عبارة عن عدد كبير من هذه الصور يمثّل أمه.
          كما أنه يخزّن نبرات أو ترددات صوت أمه، فتكفيه أحيانًا دعوة حنون منها ليهدأ، كما يخزّن رائحة أمه، وتثبت الأبحاث العلمية أن لكل إنسان رائحة خاصة به، فيتعرف عليها إذا حملته بين ذراعيها، كما يخزّن درجة حرارة أمه، في دفئها وبرودتها، وطبيعة ملمسها ونعومة بشرتها، ويحس بانفعالاتها الداخلية. إنها صورة كاملة تلك التي يخزنها الطفل عن أمه، صورة تتكامل فيها الحواس والمشاعر، فيتكون إحساس لدى الطفل بهالة الأم، بكل ما تتضمنه هذه الهالة من مؤثرات مختلفة صادرة عن جسم الأم.
قبل فوات الأوان
          تخيل أن جميع هذه القنوات، قنوات الشكل والصوت والملمس والرائحة والحرارة والانفعالات تحمل رسالة واحدة لعقل الطفل، عندما تحمله أمه: أن هذا شخص مألوف فلا تخف ولا تضجر، وتجد لها ما يطابقها من الملفات المخزّنة في الدماغ، فلا تتعجب إذا حملته أمه عنك وبدأ بالهدوء والسكوت بين ذراعيها، فلقد تعرف عليها من دون أن يفتح عينيه، فبالنسبة له هي شخص مألوف جدًا، لها في عقله ملفات عدّة، بينما أنت لا ملف لك سوى أنك غريب مجهول بالنسبة له، ولا توجد أي قناة تقف في صفك وتقول له: "إهدأ إن هذا يطابق بعض الملفات الموجودة في الذاكرة"، فجميع ما يصل إلى الدماغ هو غريب وجديد ومستهجن، سواء نبرات صوتك، أو ملمس بشرتك، أو صورتك، أو حرارة جسمك، أو حتى حالتك الانفعالية، وعندها لا يصدر الدماغ أي قرار بالتهدئة.
          إن في هذه دلالة على أنك إذا أردت التقرب من طفلك، وامتلاك قلبه، فيتوجب عليك أن تكثر من ضمه وتقبيله، وحمل يديه عندما تمشيان سويًا في الطريق، والإكثار من اللعب الحركي معه والذي يتيح الالتحام الجسدي بينك وبينه، هنا يبدأ عقله بتخزين ملفات عديدة ومتنوعة عنك، وتصبح شيئًا مألوفًا ومحببًا له، ومن السهل أن يفتح لك قلبه وعقله في أي مشكلة يقابلها، وتصبح عملية التواصل بينكما سهلة ويسيرة، ولن تقع فيما يقع فيه الكثير من الآباء الذين يجدون أنه من الصعوبة أن يتواصلوا مع أبنائهم، والحديث معهم، والتفاهم على أمور تخصهم،.والسبب في ذلك أنهم لم يبدأوا الحديث والتواصل معهم إلا متأخرين جدًا، وعندما بدأت مشاكل المراهقة بالظهور، وهنا يصبح العقل البشري قد تشكّل وتطوّر، ويصعب عليه تغيير الكثير من المسلمات، فهو لم يتلق منك قبلة أو ضمة منذ أن كان في المهد رضيعًا، ولم تحادثه حديث الصديق منذ أمد بعيد، وبدأ الصلصال بالجفاف، فلم يعد تلك الخامة التي تستطيع أن تشكلها كيف تشاء. فبادر من الآن بتعويد نفسك على التقرّب من أبنائك، ولا تستحِ من أن تقبّل ابن السادسة والتاسعة والثانية عشرة، ومهما كبر فهو ابنك، ولا تكن كذلك الذي تحجر قلبه، فلا يقبّل أيًا من أبنائه الكثر، ولكن كن مثل الرسول صلى الله عليه وسلم، الذي كان يقبّل أحفاده ويضمهم ويتركهم يلتصقون بجسده الشريف وهو يصلي، ولا يقوم من سجوده حتى يفرغوا من مرحهم.
خادمات المنازل
          لعلك تدرك الآن السر في كل ما تقرؤه وتسمعه من تعلق الأطفال بالخادمة أكثر من الأم والأب، إنها بقضائها معظم الوقت معهم، وبحنانها الذي تضفيه عليهم، وبتقبيلها وضمها لهم، تفتح قنوات حوار ذهنية مباشرة مع ابنك، وفي غياب اتصالك الحسّي مع أبنائك، وبابتعادك عنهم شيئًا فشيئًا، وقضائك وقتًا أقل من الوقت الذي تقضيه الخادمة معهم، لن تجد نتيجة سوى هذه. إنني أتعجب من الأم التي تتذمر من خادمتها التي استحوذت على أبنائها، وأصبحوا يميلون للخادمة أكثر منها، لابد وأن الخادمة نجحت بامتياز في فتح القنوات الذهنية مع أدمغة أبنائها. فلتعِ، تلك الأم جيدًا أنه مهما صغر أبناؤها، ولو كانوا في الشهور أو الأيام الأولى من عمرهم، فإن عقولهم تبدأ بالعمل والتلقي وبناء الشبكات الذهنية التي تعتبر العمود الفقري لعمليات التفكير في الدماغ. لذلك، فعلى هذه الأم العاملة تكريس بقيّة اليوم مع أبنائها لتعويضهم فترة غيابها، باللعب معهم، والاهتمام بدروسهم، وقضاء وقت يحس فيه الأطفال أن أمهم قريبة منهم، تحنو عليهم أكثر من الخادمة، وتبدأ الأم بفتح قنوات اتصال مباشرة مع عقولهم عبر القنوات الحسيّة الشرعية: البصر والسمع والرائحة واللمس والقلب. هكذا تبني في عقولهم شبكة عقلية متكاملة عن أمهم، تتعدد فيها الصور الذهنية وتتنوع بتنوع القنوات التي أرسلت عبرها تلك الصور، وعندها لن تكون غريبة عليهم، وسيسهل عليهم تقبلها أكثر من الخادمة أو المربّية، ولن يكون صعبًا عليهم البوح بمكنونات قلوبهم إليها، وهنا سيسهل عليها حل مشاكلهم وتفهمها.
          إن هناك حقيقة لابد أن يدركها كل أولياء الأمور وهي أن الطفل مهما صغر فإنه كائن واع متفكر ومتفاعل مع بيئته، ويبني من خلال هذا التفاعل البنى المعرفية في عقله، والفائز من يستطيع أن يحجز له مكانًا في عقل ذلك الصغير. وقد ينظر البعض إلى الطفل الذي عمره يوم أو يومان، أو شهر أو شهران أنه صغير جدًا على كل هذا. ألا تتكرر على مسمع هؤلاء نصائح الأطباء للأم الحامل أن عليها أن تكون مستقرة عاطفيًا في فترة الحمل، ويسوقون لها الدراسات العلمية المختلفة أن الاختلال العاطفي والمشكلات الزوجية في فترة الحمل تؤثر تأثيرًا مباشرًا في جنينها، في نموّه العضوي والعاطفي؟ كيف لا، وهي تسقيه كل شيء عن طريق حبله السري، تسقيه الطعام والشراب والمشاعر، وهو ملتصق بها لمدة تسعة أشهر. ولا يغيب عن الكثيرين حث الأطباء على الرضاعة الطبيعية والتي يبينون أن من فوائدها العظيمة الربط العاطفي بين الأم وطفلها، فهي لا ترضعه الحليب فقط، وإنما ترضعه حنانها ومشاعرها وحتى قدراتها العقلية، ولقد كان العرب ينتقون المرضعة انتقاء يعتمد على فصاحة قبيلتها وسلوكيات أبنائها كالشجاعة والكرم، ويؤمنون أنه لا يرضع منها الحليب فقط، وإنما يرضع الصفات خيرها وشرها.



هناك تعليق واحد: