الخميس، 25 أكتوبر، 2012

• المرأة العاملة... وعلم النغس



سيكولوجية للمرأة العاملة
          لقد أسهم علم النفس لاسيما الإكلينيكي إسهامًا واسعًا في فهم وحلّ الكثير من الأزمات والتوترات النفسية التي تقف في طريق الفرد وتؤرق حياته؛ فالمعطيات الجديدة لعلم النفس الحديث اعتمدت على تكامل تحليل جنس النسوة في إطار البحوث النفسية، وقد برزت الحاجة إلى التحليل النسوي في علم النفس أواخر الستينيات؛ وذلك عندما بدأ أولئك الذين أسهموا في الحركة النسوية يعانون من التمييز الاجتماعي لدور الجنس (النوع) في تطوير سلوكيات المرأة والرجل، تلك السلوكيات التي كانت فطرية الطابع وذات أساس بيولوجي.

          وقد رفع أولئك الذين دعوا إلى المساواة بين قدرات المرأة والرجل العديد من الدراسات السيكولوجية والبحوث التجريبية والتي من خلالها ظهر ذلك الفرع الجديد من فروع علم النفس، وهو: علم النفس النسوي (Feminise Psychology)، الذي أظهر أن في مقدوره أن يقدم خدمات جليلة في مضمار رفع الظلم عن النساء... وقد أكدت نتائج الكثير من البحوث والدراسات التي أجريت، أن التمييز القائم على أساس الجنس تترتب عليه ردود أفعال مرضية (باثيولوجية) لدى النساء وهذه الأفعال تأخذ شكل اضطرابات نفسية وعقلية.
          لقد كان للتغيرات الأيديولوجية والتكنولوجية التي غطت العالم من أقصاه إلى أقصاه، الدور الكبير في تغيير نمط تفكير النساء في العالم أجمع، الأمر الذي حدا بالنساء إلى النزول إلى ساحات العمل بجانب الرجل، حيث نجد أن الدافع الاقتصادي يحتل المركز الأول والرئيس لخروج المرأة العاملة، إذ إن الشباب قد أحجموا عن الزواج خشية من مجابهة متطلباته ولضيق ذات اليد لدى الكثيرين منهم، وكان عمل المرأة هو الحل لهذه المشكلة. وقد أكدت بعض الدراسات أن المرأة قد خرجت للعمل بدافع اقتصادي: ففي استفتاء أجرته على 3800 امرأة ثبت أن 75 في المائة من هذا العدد يعمل من أجل مساعدة الأسرة. كذلك تبين من دراسة (هير) عام 1958م أن نساء الطبقة الدنيا يعملن من أجل الحصول على المادة.
          أما الدافع الثاني فقد كان لدعاة تحرير المرأة والمنادين بمساواتها وتعليمها أيضًا لكي تخرج المرأة للعمل.
          كذلك من الملاحظ أن الثورة الصناعية قد ساعدت في تخفيف ثقل العمل، حيث أصبح لا يتطلب الجهد البدني العنيف الذي كان يقتضي وجود الرجل دائمًا، وبجانب ذلك صاحب هذه التقنية الصناعية ندرة في وجود الرجال الذين أهلكت الحروب الكثيرين منهم، الأمر الذي جعل أصحاب المصانع يلجأون إلى عمالة النساء والتعويل عليها في أغلب الأحيان، لاسيما أنها تتميز بقلة التكلفة والسبب في ذلك يعود إلى أن الأيدي العاملة من النساء رخيصة الثمن.
          يضاف إلى هذه الأسباب ظهور بعض الوعي الدولي عندما أصدرت الأمم المتحدة قانون حقوق الإنسان الذي أزال الفوارق بين الذكور والإناث وأتاح الفرصة كاملة أمام تعليم النساء والالتحاق بالعمل، وعلى إثر ذلك اتخذت كثير من المنظمات والهيئات النقابية والعمالية العديد من الإجراءات القانونية للحصول للمرأة على أجر متساوٍ مع الرجل في الأعمال المتشابهة.
          هذه الأسباب مجتمعة وغيرها من الأسباب هي التي دفعت بالنساء إلى العمل.
          ولكن الحقيقة الكامنة في أعماق النساء وفي دواخلهن تشير إلى أنهن قد تجاوزن تلك الأسباب الاقتصادية والمادية إلى مرافئ أرحب من ذلك المفهوم الضيق الذي ينحصر في الكسب المادي، إذ أصبحن يبحثن عن الذات وتحقيق الطموح والمنافسة انطلاقًا من عوامل نفسية بحتة تدفعهن للوصول إلى المناصب العليا، الأمر الذي يلعب دورًا في تحقيق أهدافهن مما يساعدهن على الاستقرار النفسي ويرفع من معنوياتهن على الدوام. إذن فالنساء لم يعدن ماديات التفكير وإنما صرن ينظرن إلى الجانب المشرق من العمل لما فيه من الإيجابيات.
          لقد وفر العمل للفرد مكانة اجتماعية، وهي التي تفسر لنا سلوك العاملات في مصنع كان يحيل عاملاته للتقاعد المعاشي في سن الخامسة والخمسين من عمر العاملة مع معاش سخي، فقد لوحظ أن كثيرًا من أولئك العاملات يقفن على أبواب المصنع كل مساء في انتظار صديقاتهن من العاملات عند الخروج من المصنع، كما كن يشاركن في كل المناسبات الاجتماعية التي تجري في المصنع أو تحدث لزميلاتهن السابقات، وأيضًا عندما تسنح الفرصة لأداء عمل إضافي لبعض الوقت فهن دائمًا على استعداد للانخراط فيه عن طيب خاطر دون النظر للعائد المادي.
          ولا يعني لجوء بعض النساء إلى العمل الإضافي أنهن في حاجة للمال إذ لم ينحصر عمل النساء في العمل الرسمي الذي يعود عليهن بالكسب المادي، وإنما لجأن إلى العمل الطوعي. مما يؤكد أن الدافع للعمل ليس المال وإنما تجنب الوقوع فريسة للشعور بالتعطل المهني والوظيفي الذي يشعر الذات بالحرمان من كل عمل كانت تقوم به، وكان يشعرها بالقوة والقدرة على الإنتاج.
          ولا يقف الأمر عند هذا الحد من الشعور والإحساس القاتل بل يتعداه إلى ظهور الكثير من أعراض الاضطرابات النفسية والعصبية أيضًا، بعد انفصال الفرد عن مجتمعه العملي الذي كان يشكل له الأمان والاستقرار النفسي والمادي.
          ولا يعني هذا أن العمل لا يتسبب في بعض الضيق أو النفور، غير أن هذا التبرم يرجع في الغالب إلى عدم التوافق المهني ليس إلا، بل يمكن القول إن مثل هذه المواقف ترجع في الأساس إلى حياة الفرد في فترة ما قبل العمل، ولا يمثل العمل هنا إلا القشة التي قصمت ظهر البعير. وهي من الأزمات التي يسهل علاجها في مجال علم النفس.
التوتر النفسي لدى النساء العاملات
          إذا كان الرجال يعانون من ضغط العمل والتوتر الناجم عن إيقاع الحياة السريع والمنافسة الشريفة وغير الشريفة؛ فإن العديد من النساء يعانين من مثل هذا الشعور مرات ومرات، إن كن ممن يعملن خارج المنزل؛ وذلك لأن النساء في كثير من الأحيان - إن لم يكن في معظمها - مطالبات بالتوفيق بين مسئولياتهن في العمل والمنزل معًا، وكأن هناك شرطًا ضمنيًا وغير معلن يسمح لهن بالخروج للعمل خارج المنزل، والشرط هو أن تتحمل تبعات العمل وأن تكون أهلاً للتحدي الملقى على عاتقها، وهذا هو ما تقوم به الكثير من النساء العاملات اللائي يأخذن الأمر على محمل تحقيق الذات، الأمر الذي يتسبب لهن في خلق نوع من التوتر والتأزم النفسي الناجم عن ضغوط العمل، وقد ينعكس كل ذلك سلبًا على الصحة الجسدية والنفسية معًا.
          وقد أثبتت عدة أبحاث أن التوتر والقلق يتسببان في تهيئة المناخ الملائم للصداع وارتفاع ضغط الدم، مما قد يؤدي إلى إضعاف جهاز المناعة ويجعلهن عرضة للأمراض العضوية والنفسية كالاكتئاب مثلاً.
          وفي كثير من الأوقات نجد أن النساء العاملات يعانين من التوتر وعدم الاستقرار النفسي وهو ما يؤدي إلى سوء التوافق، وقد يعود هذا التوتر إلى عوامل تختلف من مجموعة إلى أخرى، منها أن النساء قد يلجأن إلى مهن:
·       لا تتوافق وميولهن النفسية أو رغباتهن.
·       لا تتفق مع تكوينهن البيولوجي من حيث التكوين الجسدي.
·       تؤدي بهن إلى الحرمان من أداء وظيفة الأمومة، وهي أمر حيوي وجوهري لدى كل أنثى.
          مثل هذه الأسباب وغيرها هي التي تبرز الصراع النفسي الحاد بين مغريات الحياة خارج المنزل وحنينها وشوقها إلى تلبية حاجتها الغريزية كزوجة وأم، الأمر الذي ينعكس سلبًا على حياة النساء العاملات ويتسبب لهن في خلق نوع من عدم الاتزان الانفعالي، فقد أجريت دراسات وبحوث نفسية على العديد من العاملات في الولايات المتحدة، مما دلل على أن النساء العاملات أبعد ما يكن عن الاتزان الانفعالي مقارنة بالرجال العاملين؛ إذ إن الصراع بين البيت والعمل يشكل تأزمًا نفسيًا لدى النساء العاملات، في حين أن الرجل لا يعاني من مثل هذا النوع من الصراعات النفسية وهو صراع له الأثر العميق في نفس المرأة مما ينعكس سلبًا على تكوين شخصية المرأة في أغلب الأحيان. وفي حين لا يشكل الزواج أي عائق لدى الرجل، بل ربما شكل له حافزًا يساعده على التقدم، نجد أن الزواج لدى المرأة العاملة يمثل عقبة كأداء أمام طموحاتها وأحلامها أو على الأقل يقلل من تلك الطموحات والأحلام حيث يصعب الجمع والتوفيق بين تلك الآمال والغرائز والحاجات الطبيعية لكل أنثى، وعند هذا ينشأ الصراع والتأزم النفسي.
          لقد انعكس العمل على شخصية المرأة العاملة سلبًا وإيجابًا فهي لا تستطيع أن تعود إلى المنزل وفي الوقت ذاته يصعب عليها التوفيق بين الأمرين، وهذا هو السبب الرئيس في شيوع التوتر وعدم الاستقرار النفسي، أي هو نوع من عدم الاتزان الانفعالي يسود بين النساء العاملات أكثر مما يسود بين أشقائهن من الذكور، وقد كان لهذا الأثر البين على الأسرة وتكوينها من حيث العدد والأساليب التربوية، والعلاقة بين الزوجين... إلخ. إذ تبين من بعض البحوث والدراسات التي أجريت بين أسر النساء العاملات أن أزواج العاملات يقومون بنسبة أعلى من الأعمال المنزلية، مقارنة بأزواج النساء غير العاملات. أما بالنسبة لأبناء النساء العاملات فقد أوضحت الدراسة أنهم يساعدون كثيرًا في الواجبات المنزلية. كذلك أظهرت الدراسة أن النساء العاملات يحددن حجم الأسرة على حسب خطة موضوعة مسبقًا.




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق