السبت، 20 أكتوبر، 2012

• أبو البقاء الرندي.. لمثل هذا يذوب القلب من كمد!


          هنا قصيدة.. ووطن. وهنا شجن باق في غياهب الحلم العربي الذي يسري في عروق الأمة بأكملها. وهنا سبعة قرون من الحسرة التي تتردد في الصدور وتتضاعف عند كل نكبة جديدة من نكبات العرب التي صارت تاريخا مستمرًا. وهنا دمعة ما زالت تترقرق في المآقي كلما تذكرت شواهد الزمن المتصرم والعنفوان الذبيح بسكين التهاون وأنانية الكرسي الذليل. وهنا قبل كل هذا وذاك شاعر ظل اسمه تذكارا للرثاء، عندما يكون الرثاء بحجم وطن. أما الوطن فهو الأندلس في حقبته العربية، وأما الشاعر فهو أبو البقاء صالح الرندي وستكون المرثية هي القصيدة الخالدة في سجله الشعري الدامع، والتي جبت ما قبلها وما بعدها، فليس قبل الوطن قبل، وليس بعد رثائه رثاء. فماذا إن تجاوزت القصيدة موضوعها الظاهر في التحسر على بلاد فقدها العرب على يد أهلها الذين استرجعوها بعد أن طاب لها المقام العربي طويلا، نحو رثاء للذات العربية في واحدة من أقسى ما يمكن أن تتعرض له من اختبار للأنفة والصمود؟

          كثيرون قرأوا تلك المرثية نحيبًا على أنقاض المجد الأندلسي الذي سقط نهائيًا، لولا بعض مشاهد معمارية وشواهد إنسانية غير قابلة للسقوط، بسقوط غرناطة في تلك الليلة الليلاء، وبالرغم من دموع أبي عبدالله الصغير التي أشاعت الملح في القوافي العربية بعد ذلك طويلاً جدًا، حتى تضاعف الملح عندما صار للنكبة اسم آخر هو فلسطين. وتتابعت بعد ذلك القراءات الشجية الدامعة على هامش النكبات المتجددة، وما أكثرها، ليس على صعيد الخريطة وحسب بل أيضا على صعيد الذات العربية المتهاوية أيضا. لكن الغريب أن الشاعر لم يقلها في تلك المناسبة النهائية بل قبل ذلك بكثير جدًا، حيث كانت مرثية للتخاذل الذي سبق ذلك السقوط المدوي والمتوقع بقرون. إنه إذًا استشراف شعري لواقع مستقبلي كانت نذره قد وضحت حتى لغير الشعراء في أرض الأندلس من الذين عاشوا المجد المتوحد قبل أن تفرقهم مشاعر الطوائف وأطماع الدويلات.
          ولد أبو البقاء بن يزيد بن صالح بن موسى بن أبي القاسم بن علي بن شريف الرندي الأندلسي عام 601 هـ( 1204م) في بلدة تسمى رندة وتقع قرب الجزيرة الخضراء في الأندلس، وإليها نسبته التي بقيت علامة على اسمه الباقي شاعرًا أوحد لتلك المرثية، على الرغم من الاجتهادات المختلفة حول كنيته، حيث اشتهر لدى المشارقة بأبي البقاء تمييزا له عن أبي الطيب تلك الكنية التي اشتهر بها في المغرب، بالرغم من ملكيتها الحصرية شعريًا وإنسانيًا للمتنبي. وإذا اختلف العرب مشرقًا ومغربًا على كنية الشاعر فإنهم اتفقوا على مكانته المميزة في سجل العرب الخالد إبداعيًا، حتى وإن لم يشتهر إلا بتلك القصيدة الحزينة، والتي شكلت مرجعية عاطفية وتاريخية لدموع العرب التي سالت شعرًا عبر البحر الأبيض المتوسط، وصولا إلى المغرب حيث اليابسة العربية المقابلة لخريطة الفردوس المفقود، على الرغم مما بقي من ذلك الفردوس البعيد من عبارات وشحت المعمار الحجري البديع بحروف عربية شكلت هوية دائمة للحنين، ومقصدا أثيرا للسياح، حيث لا غالب إلا الله.
          استهل الرندي رحلته مع القافية مدحًا ووصفًا وهجاءً وغزلاً وزهدًا، وقد ساعدته موهبته الشعرية في فتح كل ما يستطيع من نوافذ أما قصيدته، فاتسعت أمامه الرؤى واكتملت المشاهد. لكن المشهد الذي احتل الذاكرة والذائقة هو مشهد سقوط المدن الأندلسية بعناوينها العربية مدينة بعد أخرى، على يد من عمل على استرجاعها لحضن تاريخها الإسباني القديم، ليس بحماسة الفاتحين وحدها، وإلا لهان الأمر، بل بتعاون ذليل من حاكم أندلسي عربي مسلم هو ابن الأحمر محمد بن يوسف، الذي كان للتو قد استقر له الأمر سلطانا لغرناطة، فكان أن تناسى، في سبيل البقاء على ذلك الكرسي، قصة الثور الأسود الذي أكل يوم أكل الثور الأبيض. وهذا أمر لا يهون على أحد، خاصة إن كان هذا الأحد شاعرًا بحجم أبي البقاء، الذي عبر عن رأيه أسى مقفى مليئا بالأسئلة الصعبة, ولعل تلك الأسئلة الصعبة هي التي ساهمت في اختفاء تلك المرثية اختفاء مريبًا على مدى سنين عديدة حتى تحققت النبوءة . لقد تحولت غرناطة بسلاطينها العرب إلى ذكرى أليمة إذًا، وذاب الكرسي تحت وهج الحقيقة المريرة التي تجرعها سلطانها الأخير باكيا كالنساء ملكا لم يحافظ عليه كالرجال.
          عندما رحل أبو البقاء الرندي رحلته الأخيرة إلى الدار الآخرة عام 684 هـ ( 1285م)، لم تكن قد سقطت غرناطة بعد، إلا أن حسرته كانت تملأ روحه على بدايات النهاية التي كان يراها بعيني الشاعر الشفيف، لكنه على الأقل لم يعش ليرى نكبة الأندلس تتضاعف، لتعيد إنتاج نفسها مرات ومرات ومرات... ولمثل هذا يذوب القلب من كمد!!.




هناك تعليق واحد: