السبت، 20 أكتوبر، 2012

• مرض السرطان: أسباب، وقاية، وعلاج


          
هل يمكن أن نقي أنفسنا من هذا المرض الخبيث.. هل يحمل  الغذاء الدواء مثلما حمل الداء؟
 أصبحت الوقاية من السرطان موضوعًا طبيًا أساسيًا له أربعة عناصر:
1)    انتقاء الغذاء الذي يقي ويحول دون تكون السرطان.
2)     أدوية حديثة تمنع تكوّن هذا الورم الخبيث.
3)    السوابق العائلية ووراثة الجينات.
4)    الكشف الباكر الذي يسمح بالشفاء الكامل.

          يحسن أن نعرف أن السرطان لا يبدأ على شكل كتلة ورمية.. بل إنه ينمو على مراحل قد تأخذ الأشهر والسنين.. وهدف الوقاية منه، هو منع تحول الخلايا الطبيعية إلى خلايا سرطانية من خلال اضطراب خلوي يعرف في الأدب الطبي بـ"سوء تصنع"، وهذا ممكن من خلال أغذية تحوي العناصر اللازمة لمنع هذا التحول، وقد يساعد على ذلك إعطاء أدوية خاصة تمنع سوء التصنّع الخلوي الذي هو المرحلة الأولى في تكون الورم، وهذا ما يسمح بالوقاية من تكوّن السرطان.
          يبدأ الورم الخبيث من خلال اضطراب وعدم انتظام في خلايا أحد الأعضاء في جسم الإنسان، وهذا الاضطراب يتجلى في تكاثر الخلايا بشكل عشوائي بحيث يتجمع على شكل كتلة ورمية صغيرة، ما تلبث أن تمتد وتنتشر، والوقاية ترمي إلى منع تكاثر الخلايا العشوائي.
          وإذا لم تتوافر عناصر الوقاية، فإن الكتلة الخبيثة غير المنتظمة، تنمو وتزداد وتمتد إلى أطراف الجسم من خلال الطرق اللمفاوية، ولذا، يتم تحري الانتشار من خلال فحص العقد اللمفاوية في أطراف جسم الإنسان، التي توضح مدى امتداده من خلال نموه وضخامة العقد.
          ولذا، كان الشفاء من السرطان ممكنًا في مرحلته الأولى قبل أن يتوسع وينتشر، إلا أن الأهم من ذلك هو تأمين الوقاية منه عن طريق الأغذية والدواء.
العنصر الغذائي
          للغذاء دور أولي في الوقاية من السرطان، بعد أن تأكد أن النظام الغذائي في بعض الأقطار يجعل الإصابة السرطانية نادرة وصعبة، ويعرف جيدًا العالم الطبي أن السرطان في الدول الغربية يفوق كثيرًا السرطان في البلاد الشرقية للاختلاف الكبير في مفردات الغذاء اليومي.
          والمعروف أن الطعام في البلاد الغربية يعود إلى اللحوم والبطاطا والمعجنات، في حين أن الطعام في البلاد الشرقية يعود إلى الخضار والفواكه والألبان والألياف. ولهذا توجه النظام الغذائي في البلاد الغربية في السنين الأخيرة إلى الأخذ بعناصر الطعام الشرقي الذي يتميز بأنواع من الخضار والفواكه تحتوي على مواد مضادة للسرطان، ويعرف الأدب الطبي جيدًا أن وفرة الألياف في النظام الغذائي تمنع بعض أمراض الأمعاء الغليظة (القولون) ومن أهمها السرطان، ولذا وجدنا في السنين الأخيرة أن السوق الصيدلانية في الغرب تزخر كثيرًا بالأدوية التي تحوي الألياف في حبوب الدواء.
          ويجمع الباحثون أن بعض الخضراوات كالثوم والبصل والقرنبيط لها أهمية خاصة في الوقاية من السرطان ومن أمراض القلب. ويؤكد ذلك ما عرفته العصور الفرعونية في مصر من استعمال هذه الخضراوات كدواء مضاد للأمراض.
          ونذكر جيدًا أنه في الحرب العالمية الثانية كان الجنود البريطانيون ومن ثم الروس يستعملون البصل والثوم في شفاء الجروح.
          والعنصر الواقي والشافي في البصل والثوم هو مادة (Flavonoids) مع مواد كبريتية عضوية (Sulfur). وإذا عدنا إلى دراسة فرنسية دقيقة تمت عام 1988 نجد كيف يحمي البصل والثوم من أمراض الإصابة بسرطان الثدي. وفي دراسة أخرى تمت عام 1996، ثم عام 2005، في مجلة طبية آسيوية ثم في مجلة طبية أمريكية رئيسية نقرأ أن في البصل مادة تمنع تكون سرطان المعدة. أما في ما يعود للفواكه، فإن الكرز والرمان والكركم (Turmeric) والذي يحوي مادة (Curcumin) وهي مادة مضادة للسرطان، وقد تبين أن فاكهة الرمان تقدم الوقاية من سرطان الرئة والموثة (البروستات) لدى الفئران، وفق دراسة علمية مهمة تمت عام 2007 ونشرت في مجلة (السرطان) الأمريكية في عدد أبريل. ويشارك في هذه الوقاية المواد المضادة للأكسدة، وهي موجودة في بعض المواد الغذائية ومتوافرة في بعض الأدوية، إذ تساعد الخلايا الطبيعية الصحيحة على الاستمرار في وظيفتها وتكاثرها الطبيعي وتحول دون سوء التصنع الخلوي الذي هو المرحلة الأولى في تكون السرطان. وتأكد من خلال أبحاث ودراسات عديدة، أن الأغذية التي تحوي فيتامين (D) تلعب دورها في الوقاية من السرطان، من خلال منع تكاثر الخلايا بشكل عشوائي وتدفع الخلايا للتكاثر بشكل منظم وطبيعي، ولا ننسى أن تناول السمك يقي من سرطان الموثة (البروستات) لوجود مادة (أوميغا3) (Omega-3) في الحموض الدهنية وهي مادة فيتامين (D).
العنصر الدوائي
          يقدم الأدب الطبي في الأعوام الأخيرة بعض الأدوية الحديثة التي دُرس تأثيرها الدقيق في منع تكوّن سرطان الثدي ومنها دواء: (Anastropole) ودواء: (Exemestane) وفي مركز (M.D. Anderson) الطبي الخامس بالسرطان، ومركزه في مدينة هوستون (تكساس)، تتم دراسة دواء (Ertotinid) في الوقاية من السرطان من خلال التأثير على الصبغيات (Chromosome) وعلى المشعر الذري (Molecular Marker) وأثبت الدكتور (Bresalier) في دراسة واسعة مطولة أن تناول كميات ضئيلة من الأسبرين (81 ملغ) يوميا، ذات دور مؤكد وقائي في تخفيف حالات سرطان القولون، فضلاً عن أنها تفيد في الإصابات القلبية الوعائية، إنما يختص الأسبرين لدى بعض المرضى بمضاعفات هضمية، خاصة لدى من لديه أو لدى عائلته إصابات قرحية، أما دواء (Rofecoxib) وما يتبعه من مشتقات cox-2 فهي تنفع في الوقاية من تكون سرطان القولون إلا أن قسمًا كبيرًا من أنواعها قد يسبب إصابات قلبية وعائية.
          ولوحظ أن الأدوية المضادة للرثية (الروماتيزم) إذا ما اجتمعت مع مواد مضادة للأكسدة Nitric - Oxid تصبح ذات فعالية خاصة ضد تكون الأورام السليمة، التي قد تتحول إلى أورام خبيثة سرطانية.
          وتأكد أن مشتقات فيتامين ( A (Ritinoid يمكن أن توقف سوء التصنع الخلوي، الذي هو المرحلة الأولى لتكون السرطان.. علما بأن زيت السمك يتضمن فيتامين (A) و(D).
          ومن خلال أبحاث ودراسات عديدة، اتضح أن الأغذية التي تتضمن فيتامين (D) تلعب دورًا مهمًا من خلال منع تكاثر الخلايا بشكل عشوائي، إذ يأخذ تكاثرها شكلاً طبيعيًا، ويوصى بأخذ ما لا يقل عن 1000 وحدة يوميًا من فيتامين  (D)  (ويفضل أن يعطى مع الكالسيوم) لمنع تكون أي إصابة ورمية، وتبين من خلال دراسات امتدت عشر سنين دور دواء (Tamoxifen) في إيقاف ومنع التحول السرطاني في الثدي لدى المرأة. أما دواء (Finasteide) فله تأثير في الوقاية من سرطان الموثة (البروستات) إلا أنه يختص بتأثيرات جانبية مؤذية، إذا ما تم استعماله لمدة طويلة.
          والواقع أنه ليس من قاعدة ثابتة لهذا الدور الوقائي للغذاء والدواء في ظهور السرطان، ولابد من متابعة كل حالة وفق معالجة خاصة، إنما المؤكد، وهذا ما نلمسه من خلال الإحصاءات الطبية العالمية، أن العناصر الغذائية تلعب دورًا مهمًا وأن وفرة الألياف في الراتب الغذائي والإكثار من الخضراوات والفواكه يخفض كثيرًا من الإصابات السرطانية، والمهم أن تتم دراسة كل حالة على حدة لتحديد أي دواء يمكن أن يفيد في منع وإيقاف سوء التصنع الخلوي، وبالتالي استبعاد تكوّن أي شكل من أشكال السرطان.
عوامل الوراثة (Genes)
          من عناصر الوقاية الرجوع إلى السوابق العائلية ومعرفة من أصابه السرطان في شجرة العائلة، لأن هذا يعني وجود استعداد في جينات الإنسان لظهور السرطان، وقد لا تأتي الوراثة في كل أطراف العائلة إنما قد تصيب البعض من أفرادها، إذ يحمل المصاب جينات مضطربة مهيأة قد تبقى نائمة، إنما قد تنطلق إذا ما تعرض المصاب لصدمة عصبية اجتماعية حادة، أو كان من المدخنين أو من المدمنين على الكحول.
الكشف المبكر
          تقع الأهمية في اكتشاف أي سرطان، معرفة المرحلة التي وصل إليها، إذ يتطور السرطان من خلال أربع مراحل:
1)    مرحلة البدء: وهي قابلة للشفاء.
2)    مرحلة التوسع: وهي قابلة للشفاء إذا ما ترافق الاستئصال بمعالجة شعاعية أوكيميائية.
3)    مرحلة الانتشار إلى العقد والدوران الليمفاوي، وهي مرحلة جراحية يسبقها أو يتبعها معالجة شعاعية أو كيميائية أو الاثنان معًا.
4)    مرحلة الانتقالات إلى أطراف الجسم، وعندها يكون الاستئصال الجراحي معالجة ملطفة، وقد يستفيد المريض إذا سبقها أو تلاها معالجة شعاعية أو كيميائية، وفي هذه المرحلة المتقدمة، يغلب أن يبقى المصاب على قيد الحياة بضعة أشهر، وقد تمتد حياته عامًا أو عامين وفق مدى انتشار الإصابة السرطانية.
          من خلال هذا التصنيف المرضي، ندرك أن هناك أهمية بالغة للتشخيص الباكر الذي يسمح بالشفاء الكامل، وذلك عندما يكون السرطان صغيرًا لا يتجاوز 1 - 2سم، وقبل أن يمتد إلى الطرق والعقد الليمفاوية، وإذا ما تم استئصاله جراحيًا في هذه المرحلة الباكرة، فيغلب ألا يحتاج المصاب إلى أي معالجة شعاعية أو كيميائية.
          وتختلف شدة الأورام وفقًا لتوضعها، وإذا كانت الإصابة السرطانية تقع في المعدة أو الثدي أو القولون أو الموثة (البروستات) في المرحلة الأولى، فإن الشفاء الكامل ممكن ومؤكد في أغلب الحالات، أما إذا كانت الإصابة في الرئة أو الدماغ أو العظام فإن الوضع يكون أكثر صعوبة، ومن خلال خبرة طبية طويلة امتدت أكثر من خمسين عامًا قبل وبعد استعمال التنظير في التشخيص، والذي يساعد كثيرًا على الاكتشاف الباكر، ويؤيدها ما ورد في الأدب الطبي خلال نصف قرن، فإن لدينا العشرات من حالات الورم الهضمي الباكر وخاصة في المعدة والقولون الذي كان فيها الشفاء منها كاملاً، وقد عاش المصابون السنين الطويلة وأتت الوفاة لدى أكثرهم فيما بعد، من إصابات غير سرطانية، قلبية أوصدرية أو كبدية؟ ولوحظ في المراكز الطبية المختصة بالسرطان في أطراف العالم أن نسبة الشفاء من سرطان الثدي والقولون في الأعوام العشر الأخيرة قد بلغت 40 إلى 50 في المائة نتيجة الكشف المبكر، من خلال الاستقصاء المتتابع للثدي عن طريق التصوير السنوي، وللقولون من خلال تنظير هضمي، وهذا ما يسمح بكشف الإصابة واستئصالها في مرحلة مبكرة قابلة للشفاء.
          ومن أهم المكتشفات الطبية الحديثة، ما وجده الطبيب الأسترالي (مارشال) عام 1982، والحائز على جائزة نوبل في الطب، من جرثومة حلزونية تقع في غاز المعدة، وهي التي تصنع القرحات في المعدة والإثنى عشر، وتسبب الالتهابات المعدية التي كانت تتطور إلى سرطان معدٍ، ومن خلال معالجة هذه الجرثومة وقتلها وتقطيعها بالأدوية، تواري سرطان المعدة من حلبة التشخيص، وبعد أن كنا نصادف  حالات عدة من سرطان المعدة في الأسبوع الواحد، أصبحنا الآن نرى بضع حالات فقط في العام الواحد، وتضاءلت الإصابات القرحية لتصبح نادرة بعد أن كانت تتردد بالعشرات في الأسبوع الواحد.
خاتمة
          يتضح من الخبرة العالمية في مكافحة السرطان عن طريق وضع أسس الوقاية منه، ثم كشفه الباكر الذي يسمح بشفاء عاجل كامل، أننا أمام موضوع صحي مهم يتطلب الكثير من الدراسة والمتابعة، ولئن زادت الإصابات السرطانية في الحول الأخير، فلأن طرق كشفه وتشخيصه قد تطورت كثيرًا، ومازلنا نحتاج إلى سنين عدة لتحديد الإطار الكامل لأسباب السرطان، وعناصر الوقاية منه: غذائية ودوائية ووراثية، وتطبيق طرق الكشف الباكر الذي يسمح بالشفاء الكامل.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق