الثلاثاء، 16 أكتوبر، 2012

• نجيب محفوظ.. من القاهرة إلى العالم كله


         
          مدينة الكاتب هي نتاج لبصمات تركها المكان والزمان في روحه وعقله ووجدانه، وقد تكون هذه المدن معادلة للسعادة أو المتعة أو الحب أو الانتماء أو النفور أو الاستيهام أو المعاناة أو المنفى أو الاختناق أو الحرب، كما أن المدينة بوصفها فضاء مكانيًا وزمانيًا، ترتبط بالذاكرة والتاريخ والحضارة والجغرافيا والأدب والثقافة.

          وكما ارتبطت باريس ببودلير وكامي، وبراغ بكافكا، وبوينس أيرس بماركيز، ولشبونة بيسوا، وأمريكا بهمنجواي، وطنجة بمحمد شكري، والدلتا بيوسف إدريس، وديروط الشريف بمستجاب، والنوبة بخليل قاسم وإدريس علي، وصحراء ليبيا بالكوني، فإن القاهرة ارتبطت ارتباطًا وثيقاُ بنجيب محفوظ.
          القاهرة هي مدينة الأمان واللاطمأنينة والمجد واللعنة الدائمة بالنسبة لنجيب محفوظ، وبفضله واجتهاده ودأبه في معرفة وشرح تفاصيلها وعرض جغرافيتها وتاريخها، وتشريح أشخاصها وحياتهم، ولجت عالم الأدب من بابه الشاسع، ولم تعد مدينة فحسب بل اختزلت أمّة برمتها، وأصبحت أمّة نراها ونتلمسها ونشم رائحتها ونتخيلها ونعرف دقائقها وتفاصيلها، فخلدها وخلدته.
          ومنذ البداية كان نجيب محفوظ يحمل بداخله القاهرة، يحملها كمكان واقعي أو افتراضي، وكزمان قديمًا وحاضرًا وحديثًا، وبسببها أصبح نجيب محفوظ يحمل بداخله العديد من العواصف والأعاصير الرهيبة التي تأتي لتضاف فوق سطح أرض القاهرة أو يتفجر بالبراكين التي ترقد في أعماقها السحيقة، كان مثل عملاق طليق أو فتوة جبار أو موظف روتيني، يحط على أي مكان بها فيرسمه بقلمه أو ينقشه بضربة نبوته أو يدمغه بختمه، يجعله ينبض بالحياة، عشقًا وحبًا ونفورًا واستهجانًا وموتًا.
ابن البلد الصاعقة!
          نجيب محفوظ: ابن البلد و«المجدع» والصاعقة والبرق الذي شطرنا نصفين ورفع رءوسنا إلى الأعالي وأضاءنا للأبد وأغرقنا في رائحة أنفسنا إلى ما لانهاية، ومن خلاله تشم رائحة الحارة الرطبة الدافئة والتي هي أصل مصر أم الدنيا، تلك الرائحة التي تنفذ للخياشيم وللروح وللملامح وللحشايا، فغرقنا فيها وأصبحت بطاقة تعريف لنا وتاجًا فوق رءوسنا، فلا ننساها مهما تجولنا وسافرنا وشاهدنا وتغربنا في البلدان والأماكن والقارات، رائحة حارة تحب وتعشق وتكره وتصرخ وتفكر وتخرج منها المظاهرات والأفكار ويختبئ فيها القتلة والصعاليك والثوريون والفدائيون والعشاق، وتمر بها كل لحظة تيارات من الخلق لا تنقطع، وأمواج من البشر لا تتوقف، فتشم رائحة زحامها وضجيجها وصمتها ومعاركها ونومها وألعاب وصراخ وسباب أطفالها، تشم رائحة أرضها الرطبة والقذرة والمبللة بمياه الطرشي والغسيل والاستحمام والمتعة وتغسيل الموتى، يتلذذ أنفك برائحة طشة الملوخية والطعمية الساخنة والمحشي والبخور والفلفل الأسود والشطة النافذة و«المش الحارق»، حارة تأكل فيها ألذ طعمية وأشهى فول مدمس وأطعم كباب وأحسن نيفة وأمتع كوارع و«أنفس» لحمة رأس، وتشرب فيها الشاي المخصوص والقهوة النادرة وتستمتع فيها بسحب أنفاس أحجار المعسل وتنتشي بشرب الحشيش المخلوط بالأفيون، حارة ترى فيها نساء مختلفة الأحجام والأشكال فتجد من يملأن القلل ومن يجمعن الغسيل ومن يخرطن الملوخية ومن يقشرن البصل ومن يمشطن شعورهن ومن يفللن أبناءهن ومن ينتفن شعورهن بالحلاوة ومن يضبطن حواجبهن ومن يشعلن «الوابور» ومن يعجن العجين ومن يتعاركن ويسببن بعضهن بعضًا ويشققن جلابيبهن، ووسط كل ذلك ستجد إحداهن تقف وترفع يدها وتدعو على «درتها» التي سرقت زوجها.
نوبل نيابة عن والدها
          حارة ترى فيها أجسادًا تتمايل وشعورًا مهوشة ومسبسبة وغارقة في الجاز والفازلين والزيت، وآذانًا تنصت لكل دبيب الحياة وكل نميمة وكل صرخة ميلاد تبدأ، فيها أعناق تتمدد وتتطاول وتلامس السماء أو تنكمش وتتضاءل وتنقصف وتبتلعها الأرض، أعناق بها عناقيد الياقوت النادر والبلاستيك التافه والصفيح والذهب المغشوش والبراق، تبصمها أقدام مشققة ومحناة وموشومة ومرسومة، بها كفوف ناشفة وطرية، جبارة وحانية، تربت وتصفع، تداوي وتقتل، ترى فيها وجوهًا تحمل السمرة الطيبة والبياض الشفاف والشقاء النادر والأمل المستحيل وتجاعيد الزمان المحفورة، ووجوهًا موصومة بالعار أو مختومة بالفقر أو مبتسمة بالأمل، وجوهًا مختفية خلف نقاب أو بيشة أو ملاءة، أو صريحة وصارخة بحواجب تتراقص وعيون فاجرة تتكلم وتبتسم وترعب وتطلب، تظللها رموش في خجل أو مكر أو رغبة عارمة.
حارة بحجم العالم
          حارة نهارها دائم وحياتها متصلة ليلاً ونهارًا، حارة عجوز ولا يصيب شعرها المشيب، شابة وعمرها أكثر من ألف عام، حارة قديمة ولا ترى تعاريج الزمان على وجهها، روحها شابة ولا تعرف عمرها، تسمع بها دقة الزار ودراويشها المجانين الذين لا يكفون عن الغناء، تشاهد فيها راقصة تتمايل وهي تجرب بذلة رقص جديدة مزينة بالترتر والمقصب، وفرخة مذبوحة تفرفر وتنثر دماءها على المارين والجدران، وتجد أوباشها وهم يتراقصون في زفاتها الفقيرة الغارقة في ألوان المسرة، حارة الكل فيها يتحدث ويغني وينم ويثرثر ويسب ويصافح ويتعارك ويلقي النكات ويصرخ ويبكي، يصدمك بها عامل يحمل خشبة عجين، أو أقفاص العيش، ويتم الضحك عليك وأنت تلعب الدومينو أو الطاولة، حارة مجذوبة وعاقلة ومخبولة وعاهرة ومؤمنة وفاجرة، بها قطط تموء وكلاب تنبح وعناكب وصراصير تخرفش وفئران تنطلق من الشقوق على الجدران، وثعبان يزحف لمقابلة عقربة أسفل عتبة سلم يقف فوقها حبيبان في قبلة ساخنة.
          حارة لئيمة وخبيثة وناعسة وحبيبة، تعلمك أنه لا يختفي فيها سر أو شيء وإن طال كتمانه واختفاؤه، تعلمك أن العمر واحد والرب واحد والمكتوب حتما تشوفه العين، تعطيك نصيحتها الخالدة: نصيبك في الدنيا لازم يصيبك، وتضحك عليك وتسخر منك وأنت تعتقد أنك استطعت أن تفهمها وتمسكها وتقبض عليها، تفضحك وتجرّسك وتلم عليك العالم إذا غدرت بها أو كرهتها أو تزوجت عليها.
          لقد حمل نجيب محفوظ كل ذلك وخاض به الحياة، خاضها ببراءة الأطفال وطموح الملائكة ودهاء الشياطين وتقلبات الساسة وحكمة العجائز وتهور الفتوات، وكتب عليه المغامرة والمقامرة وامتطاء المستحيل، فتعلمنا منه أن الأدب مجاهدة وعزيمة وصبر وحب ودأب، لذا كان في محرابه ومكتبه وعمله كالمتصوف، فهو المثابر والمصابر، حتى تكتمل فكرته على الأوراق، يقدم لنا فيها شخصيات من لحم ودم، وأماكن نراها لأول مرة في كل مرة نقرأه فيها بالرغم من أننا نمر على تلك الأماكن كل يوم.
          فهو الكاتب المدهش الفذ المُولع بتفاصيل ودقائق الحياة، وطقوسها، الصغيرة والكبيرة، التي نستطيع أن نمسكها والتي لا نستطيع أن نحس بها، إنه يجسدها ويكتبها على أوراقه، فتأخذك لغته الشعرية، وحواراته الذكية، وأسئلته العميقة، وشخصياته المحورية والثانوية والهامشية، الكل بطل، والكل تحت سيطرة قلمه وفكره، لا أحد يشت أو يهرب، لذا جاءت رواياته مكتملة البناء، مكتملة الفكر الذي يريد طرحه وتوصيله إلى القارئ في رواياته وللمشاهد في أفلامه.
          نجيب محفوظ مرتبط بالقاهرة القديمة ووفي للزمن القديم، دخل معه في أحلى حالة عشق للماضي كي يرى مستقبل مصيره ومصير أمته وشعبها، لذا ظلت القاهرة العتيقة محور حبه ومنبع إلهامه وسبب شهرته، ظل مشدودًا إلى الحواري والأزقّة والأقبية، يعشق العرق على الأحجار والثرثرة على درجات السلالم والجهاد على تراب تلك الحواري، ويحب أن يتشمم أنفاس بشرها، لقد جعل من الحارة صميم الجوهر، وقلبًا لجسد الوطن، وعقلاٍ للأمة العربية، ترى فيها قدرة الخالق وعظمته وعبث وجنون عبيده، ترى فيها أعماق بشرها وتقلبات مخلوقاتها، لقد علّمنا وجعلنا ندرك ونفهم ونشم ونحس بالواقع، وأن نرى ما لا يمكن أن تلحظه عين أو يدركه سمع، ونشعر بالزمان ككائن، ذلك الزمان الذي يفرق ويجمع، يحب ويكره، يقف ويتطور وينمو، مع تطور الشخصيات وتطور طموحاتهم.
بين العلم والأدب
          ونجيب محفوظ كان على رأس المجاهدين الذين يؤمنون برسالة الأدب، فهو رجل يحب العلم ويحب الناس ويحب الحياة، والأدب عنده وسيلة من وسائل التحرير الكبرى والعلم لديه أساس الحياة الحديثة، مؤمن بأنه ينبغي أن تكون الكتابة وسيلة محددة الهدف ويكون هدفها الأخير تطوير هذا العالم والصعود بالإنسان في سلم الرقي والتحرر، لذا كان حريصًا دائمًا على تطوير أدواته ولغته ومفرداته حيث يمزج العامية بالفصحى، والمرئي باللامرئي والتراث بالواقع والخيال بالجنون.
          نجيب محفوظ صاحب الوجه الذي طالع الدنيا لما يقرب المائة عام، ومع أن الدنيا لا تدع وجهًا سالمًا قرنًا من الزمان، إلا أنه ضحك على الزمان برواياته كي تظل حية وشهية ومتجددة دائمًا، تقدم لك نفسها في كل مرة تقرأها فيها، وكل مرة تعطيك وجهًا وحكاية وروحًا جديدة، وهذه ميزة الإبداع وميزة نجيب محفوظ، أنه متجدد دائما، يجعلك تعيش مع أبطاله وشخصياته وحواراتهم، يجعلك في مكان واضح ومتجسد، يجعل القارئ يعيش تلك اللحظات في أي مكان وزمان، داخل غرفة لوكاندة ميرامار أو مع التجار والباعة الجائلين والميني فاتورة في حواري الحسين والأزهر والجمالية أو بين بشوات وبهوات قصور السكاكيني والعباسية والزمالك، أو وسط حجرات الموظفين في الدواوين الحكومية، أو تجار المخدرات في الباطنية والدرّاسة أو بين قصور قادة الأمة في المنيرة ولاظوغلي ومجلسي الشعب وقيادة الثورة، تعيش مع المسجونين والباحثين عن الحرية في معتقلات الكرنك والقلعة ووادي النطرون، أو وسط عوالم وآلاتية شارع محمد علي، لذا كان يضحك ويقول دائمًا: كلما امتلأت الدنيا بالأطفال والمعتوهين والمجانين وتجار المخدرات والبائعين الجوالين والمتسولين وماسحي الأحذية، فالدنيا ما زالت بخير، ويكمل : وسوف ينصلح حال البلد عندما يؤمن أهله بأن عاقبة الجبن أوخم من عاقبة السلامة.
          واليوم لا تجد هذه الذكريات من يتذكرها أو يكتبها بتلك الرائحة وهذه الروح، رحلت الحارة لأن كاتبها ومؤرخها رحل، فأصبحت الحارة حزينة لرحيله لأنه كان من عشاقها المخلصين، والحياة بها متوقفة لأنه كان حبيبها الأثير.
مجاهد في محراب الأدب
          هذا الحبيب الذي أحبته الدنيا بصدق، لأنه كان يحب أن يكون أديبًا وليس أي شيء آخر، فأعطته ما لم تعط لأي أديب آخر. الشهرة والوصول إلى أكبر قاعدة من الجماهير والقراء، أمداه بشرايين التوصيل والتواصل عبر العين والأذن، عبر الورقة والشاشة، لم تبخل عليه، قدمت له كل شيء، الكتاب في يد القارئ والفيلم في السينما والمسلسل في التلفزيون والحدوتة في الإذاعة، المرئي والمكتوب والمسموع، وإذا كان محفوظ قد رحب بالموت وبالنهاية في معظم أعماله، فإن الآخرة تعشقه بجدارة.
          نجيب محفوظ المجاهد في محراب الأدب، المتعبد في معابد الكتابة وفروعها، المخلص كما لم يخلص أحد، المواظب عليها كما لم يواظب أحد، المنجب منها كمّا من الروايات كما لم ينجب أحد، والذي نال شهرة لم يسعَ إليها وكما لم يشتهر أحد، بل هي التي سعت إليه وطاردته.
          ولأنه مؤمن بعمله فقد كان مؤمنًا بأن الأدب بقدر ما تعطيه وتحبه يعطيك أيضا ويمنحك ويحبك، إلا أنه ظل خلال أعماله يطرح الأسئلة التي كانت تشغل باله وفكره، أسئلة بسيطة وعميقة، فهو دائمًا يتساءل: ما جدوى الحزن؟ وما فائدة السرور؟ وما مغزى القوة؟ وما معنى الموت؟، لماذا يوجد مستحيل؟ وماذا يحدث بحارتنا اليوم نعم لقد أهلك الموت الحارة المصرية، لكنها باقية لنا في كتاباته ورواياته وشخصياته التي نقرأها ونراها ليل نهار.
          نجيب محفوظ : المُعلم الأول في درس الرواية العربية، معلم لا يعنيه في عمله وعلمه إلا الإتقان أولاً وأخيرًا، فهو رزقه وهي زوجته وما يصنعه هم أبناؤه، ومن خلال هذا الإتقان كان يرى المدارس الأدبية كلها ويرى تحولاتها الكبرى، لذا صنع أثاث وأعمدة الرواية العربية، ووضع الأساس القوي والحقيقي لها، أساسًا متينًا يتحمل كل أشكال البناء والزخرفة والحداثة وما بعد الحداثة الروائية، لقد أهّلَ محفوظ اللغة العربية لذلك فأصبحت كقوالب الطوب في البناء المعماري الروائي العربي، لأن الرواية تجربة لغوية وشكلية قبل أن تصبح تجربة في القص والحكاية والمزيج الروائي، ليصبح لدينا الرواية التي تكسر القيود وتحاول أن تصنع واقعًا من حطام الواقع، ومنها أهدىلأمته أعمالاً خالدة ورائدة في فن الرواية، من شأنها أن تجلو المضمر من تاريخ الحارة المصرية، والتي هي جزء لا يتجزأ من الحارة في كل مدينة عربية، فلا يوجد فرق بين حارة القاهرة أو الرباط أو بغداد أو دمشق، ومن هنا نبهنا مبكرًا إلى خصوصيتنا العربية، ورائحتنا الخاصة، وأن الأدب هو كبد الحقيقة المرة، لذا أصلت رواياته للإبداع العربي، ورفعت عن كاهل الأدب العربي حالة الغبن والضعف والاستنساخ والاقتباس، وأصبح أدبه هدفًا يسعى إليه كل من يستخدم الحرف وسيلة للتعبير عن نفسه، والكلمات في صنع جملة لها خصوصيتها العربية.
          نجيب محفوظ: صاحب الوجه الأسمر المتفائل الباسم، والذي لم تفارق النكتة شفتيه، يقدم النموذج العالي في قوة الاحتمال، وفي الصبر على الاستماع وفي تشجيع الحوار، الذي يسأل أكثر مما يجيب، لذا اشتهر بأنه كان صامتًا ومقتصدًا في الكلام، فهو مؤمن بأن الذين يتكلمون كثيرًا يبددون طاقتهم في الثرثرة وفي التخلص مما كان من شأنه أن يتحول إلى أعمال إبداعية أو نقدية على درجة عالية من الكمال، لذا كان لا يتحدث إلا على الورق ومن خلال أماكنه وأبطاله وأشخاصه، يجسد صورة الإنسان الرقيق الحساس الذي يلوذ بأوراقه وكتبه ويقترب من عالم المتصوف بكل ما يزخر به ذلك العالم من إخلاص للعمل وزهد في الملذات وعزوف عن المظاهر والتزييف والشهرة المجنونة، فلم يتطرق الغرور إلى نفسه يومًا.
محفوظ .. المُعلّم المجدد
          نجيب محفوظ المتطور دائمًا والذي استثمر في رواياته مختلف الأساليب والتقنيات، من تيار وعي إلى الفلاش باك السينمائي إلى الأصوات المتعددة في الرواية، وإلى الحكاء المسيطر على نصه وأبطاله، وإلى الأسلوب الغرائبي والعجائبي، وإلى استحضار التراث في العمل الروائي برؤية جديدة للواقع المعاش، فهو منذ البداية - يتوجه برواياته إلى قارئ عربي قد لا تبهره الحداثة والتقنية بقدر ما يبهره صدق الرواية وواقعيتها، لقد جسد هذا الروائي الفذ بشكل دقيق عالم الطبقة الوسطى التي ينتمي إليها، مقربًا مناخها وملامحها من وجدان القارئ العربي في أي قطر كان، فأي قارئ في أي مكان عربي لا يشعر بالاغتراب وهو واقع ومنغمر في أجواء وأحداث رواياته.
          إنه قادر في اللحظة التي يفتح فيها غلاف إحدى رواياته أن يأخذ بيد قارئه ويقوده وسط أزقة القاهرة ومقاهيها وأضرحتها وحواريها الشعبية، بل إنه يجسد أجواء المدينة العربية الإسلامية بكل خصوصيتها، ليصبح ما فعله هو النموذج التطبيقي والأساسي لكل روائي عربي.
          وأعتقد أن روايات نجيب محفوظ سوف تكون الدليل والمرشد لمجموعة كبيرة من الأثريين وعلماء الآثار، لأنها بمنزلة خرائط مصورة ورسومات توضيحية لأماكن حقيقية آخذة في الاندثار، إن التنقيب عن الحارة المصرية يبدأ وينتهي عند نجيب محفوظ، تلك الحارة التي بدأت تضمحل وتغيب شخصياتها وأماكنها، وتذوب ملامحها بفعل التطور والتمدن الحديث.
          إن تجسيد الحارة في أدب محفوظ هو تجسيد لظاهرة اجتماعية قديمة في الشرق، وهي قيام الإمبراطوريات وسقوطها بعوامل تظهر داخلها، لقد استطاع تسجيل هويتنا القومية روائيًا، مما أدى إلى وصولها إلى العالمية، لذا كانت روايته محلية بنكهة شعبية، وبأنامل مصرية وروح عربية، روايات ترى فيها رؤية كونية، ورؤية لتحولات حارة من الحارات في زمن منقرض، حيث تنمو قيم وتتبدل قيم، ويظهر بشر بدل آخرين، وتقام أماكن فوق خرائب، وتظهر زعامات جديدة بدلا من الآيلة للسقوط أو التي انسحقت بفعل وباء السلطة أو الانقلابات أو الثورات.
          وفي النهاية نصل إلى حكمة واحدة من كل ذلك: أن كل من يحاول أن يقترب من عالم الرواية الآن، عليه أن يضع دائمًا تجربة نجيب محفوظ الروائية نصب عينيه.




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق