الخميس، 25 أكتوبر، 2012

• الضحك عند الأطفال... حاجة وضرورة



          الضحك حاجة ضرورية لللإنسان، وهي مظهر إيجابي، فهي موجودة في حياتنا كلها، لدى الأطفال ولدى الكبار، في حالات الفرح والترويح، وفي حالات المشقة والأزمات النفسية. ويتمثل الرأي الغالب في علم النفس الآن في النظر إلى الفكاهة، على أنها أحد أساليب المواجهة التي تستعين بها المجتمعات في مواجهة بعض مشكلاتها السياسية والاقتصادية.

          ويؤكد كثير من الأطباء على أن الضحك والفكاهة لا يفيد في مواجهة الضغط النفسي فقط، بل يعمل أيضًا على تنشيط الجهاز المناعي، والحد من آثار الشيخوخة، والتقليل من احتمالات الإصابة بالأزمات القلبية، وتحسين الوضع النفسي والجسمي للإنسان بشكل عام، مما يجعله أكثر تفاؤلا، وأكثر إقبالاً على العمل، وعلى الحياة بشكل عام.
          وهذا ما دعا الأديب الفرنسي «رابليه» إلى القول إن: «الضحك هو الخاصية المميزة للإنسان» والفكاهة «رسالة اجتماعية مقصود منها إنتاج الضحك أو الابتسام». ومثلها مثل أي رسالة اجتماعية أخرى تحقق الفكاهة بعض الأهداف أو الوظائف، وتستخدم بعض الأساليب وتكون لها بنيتها الخاصة، ومحتواها المميز لها أيضًا، كما أنها تستخدم في مواقف معينة لها طبيعة خاصة.
          الطفل والابتسامة: يقول الكاتب شاكر عبد الحميد في كتابه «الفكاهة والضحك» إنه عقب الولادة، وبعد اثنتي عشرة ساعة تقريبًا قد تظهر على وجه الرضيع الصغير النائم ما يشبه الابتسامة، إنها ليست ابتسامة كاملة، بل ظل ابتسامة، ويظهر هذا الطفل استجابة لعدد كبير من المثيرات الغامضة التي تتوارد على حواسه، أو كحركة لاإرادية في بعض عضلات الوجه. لكن، عند الأسبوع الرابع تقريبًا، يميل ظل الابتسامة هذا إلى الحدوث كاستجابة للصوت الإنساني، وصوت الأم خاصة، كما أن ابتسامات الطفل تميل هنا أيضًا إلى أن تكون ذات أثر اجتماعي، إنه يؤثر بالبسمة في الآخرين، ويتأثر بابتساماتهم أيضًا.
          ويلخص لنا الدكتور شاكر عبد الحميد خلاصة الدراسات التي أجريت على ابتسامات الطفل الصغير وهي:
·       إن الأطفال الصغار يبتسمون للأم أكثر من ابتسامهم للغرباء.
·       ويبتسمون للوجوه المتكلمة أكثر من الوجوه الصامتة.
·       ولأشكال الوجوه العمودية أو ذات الاتجاه القائم أكثر من الوجوه المائلة.
·       ولوجوه الإناث أكثر من وجوه الذكور.
          ومن الملاحظ أنه عند الشهر العاشر يستجيب الطفل بالضحك عند رؤيته للوجوه المضحكة الخاصة بوالديه أو بغيرهم من الكبار، حتى عندما يرتدون أقنعة مضحكة مثلاً. فعند نهاية السنة الأولى يضحك الأطفال من السلوكيات غير المألوفة من جانب الكبار عندما يكون هؤلاء الأطفال موجودين في بيئة آمنة، وعلى ألفة بالأشخاص المحيطين بهم، والذين يقومون بسلوكيات مضحكة. أما البيئات غير الآمنة والوجوه الغريبة فلن تضحكهم بل سترفع من مستوى خوفهم.
 الطفل والضحك:
معظم الأطفال الرضع، يبدأون بالضحك الفعلي بصوت مرتفع عند الأسبوع التاسع، وغالبًا ما يرتبط الضحك بالدهشة، أو ببعض المشاعر الأخرى المثيرة للابتسام، أو الضحك، وفي الفترة من الشهر الرابع إلى السادس يستجيب الطفل للأصوات وعمليات التنبيه الجسمي له. إن تقبيل بطنه ولمس باطن قدميه بنعومة سيجعلانه يضحك بطريقة واضحة. وعند الشهر الثامن سيضحك الطفل على نحو متكرر، استجابة لألعاب المفاجآت التي يبدأها الوالدان، كما أنه يضحك في هذه السن استجابة للسلوك غير المألوف من الكبار، مثل حبو الوالد على الأرض مثلا.
          ولعل أبسط المثيرات الخاصة بالضحك لدى الأطفال هي الدغدغة حيث يشعر الطفل بوجود تنبيه في سطح جلده وما يرتبط به من أنسجة، وإذا كانت تصاحب هذه العملية أصوات مألوفة للطفل ذات صبغة أو ظلال مطمئنة، فإن هذا التحول في المدخلات الحسية سيكون سارًا بالنسبة إليه، ويكون الضحك تعبيرًا عن هذه المتعة أو هذا السرور.
          من المواقف التي تستثير ضحك الأطفال كذلك ما يحدث عندما يقوم أحد الراشدين بقذفه في الهواء إلى أعلى، ثم يتلقاه بذراعيه، ويكرر ذلك عدة مرات، هنا يضحك الطفل ضحكًا ممزوجًا بالخوف. وهنا تلعب المفاجأة دورها أيضًا في حدوث الضحك. فالطفل لا يعرف متى سيقذف به في الهواء.
          إن ما يماثل النشاطات السابقة من الدغدغة، وإلقاء الطفل في الهواء، والظهور والاختفاء للوجوه والأشياء، وألعاب المفاجآت، وما يماثلها لدى الكبار هو ما يحدث في ألعاب السحر والخداع، وخفة اليد، في مدن الملاهي، والسيرك، وعلى الآلية نفسها تتحرك النكتة على المستوى اللفظي، وتتحرك أشكال عديدة من الفكاهة على مستوى فكاهة «المحال إليه» أو مستوى الفكاهة البصرية.
ارتقاء الضحك لدى الطفل
          يعد العالم النفساني الأمريكي «بول ماكجي»  P.Mc Ghee أشهر من قام بدراسة نمو سلوك الفكاهة والضحك لدى الأطفال.
          وقد اقترح «ماكجي» وجود أربع مراحل أساسية لارتقاء قدرة متزايدة لدى الأطفال لإدراك التناقضات أو مظاهر عدم الاتساق أو التفاوت مع المعايير والمدركات المألوفة. إذن، ومع ارتقاء اللعب الإيهامي أو التخيلي لدى الأطفال خلال السنة الثانية من أعمارهم، يتقدم هؤلاء الأطفال عبر سلسلة من المراحل الخاصة بارتقاء الفكاهة لديهم.
          وقد وصف ماكجي هذه المراحل واعتبرها مراحل ثابتة نسبيًا في رأيه، لأنها تقوم على أساس تتابع مماثل في الارتقاء المعرفي العام لدى الطفل. وتتفق هذه المراحل الأربع التي يقترحها مع عمليات الارتقاء المعرفي التي يقترحها «بياجيه» منذ السنة الثانية حتى سن السابعة أو الثامنة من العمر.
خلاصات
·       تكون للفكاهة والضحك خلال مرحلتي الرضاعة المبكرة ثلاث وظائف رئيسة هي:
ü   الحفاظ على الطفل حيًا من خلال مساعدته عن طريق الابتسام والصراخ مثلا، وعلى الحفاظ على علاقات مع الوالدين تسهم في إشباع حاجاته الأساسية للطعام والدفء والرعاية.
ü   تيسير حدوث العلاقات الاجتماعية بين الطفل ووالديه وأقرانه بعد ذلك.
ü   مساعدته على الانتقال الفعال داخل البيئة، وبما يتجاوز حدود السياق الأسري المباشر عن طريق إقامة علاقات تقوم على أساس الضحك واللعب وتبادل المواقف المضحكة، والتفاعل من خلالها.
·       يظهر ما يشبه الابتسام على وجه الطفل بعد نحو اثنتي عشرة ساعة من ولادته.
·       تحدث الاستجابة للصوت الإنساني في الأسبوع الرابع، وبعد ذلك بقليل يظهر انجذاب الطفل إلى الوجه الإنساني.
·       تظهر أول ابتسامة اجتماعية لدى الطفل خلال تفاعله مع أمه بعد شهرين من ولادته.
·       تظهر أولى علامات الضحك عند نهاية الشهر الأول بعد الولادة، أما الضحك الفعلي فيبدأ عند الأسبوع التاسع (أو مع بداية الشهر الثالث من العمر).
·       يستمتع الأطفال الصغار برؤية الأشياء أو الكائنات وهي موجودة في نشاطات متناقضة على نحو يثير الدهشة (مثلا: رؤية كلب يرتدي قبعة)، في حين يستمتع الأطفال الأكبر بفكاهات المعاني المزدوجة والتوريات الخاصة في الكلمات والألغاز.
·       مع تزايد النمو يتسع مدى الأشياء التي يستمتع بها الأطفال، ويضحكون منها، من دون أن يسقطوا من حساباتهم أيضا الأنماط المبكرة من الفكاهة.
·       يكون المناخ الشبيه باللعب، والاتجاهات الخاصة بالتخيل أو الخيال، وكذلك إدراك الطفل لأن المادة التي تقدم له في شكل بصري أو لفظي، إنما هي مغايرة نوعا لمادة الواقع، وقابلة للإدراك والفهم من خلال آلية «التمثل التخيلي» وليس آلية «تمثل الواقع»، يكون لذلك كله دوره الكبير في إدراكه للفكاهة وحدوث الضحك لديه.
·       يتفق الباحثون في مجال ارتقاء الفكاهة لدى الأطفال على أن الأساس المعرفي للفكاهة إنما يكمن في مفهوم «التناقض في المعنى» وهو المفهوم الذي يعرف بأنه صراع بين «ما يتوقعه» شخص ما و«ما يدركه» حقًا.
·       يشتمل ارتقاء الفكاهة لدى الأطفال على نمو معرفي خاص عبر مراحل متتالية ومتكاملة تصبح خلالها التوقعات مركبة (معقدة) على نحو متزايد، كما أنها تشتمل عبر مراحل النمو المبكرة.
·       تزدهر الفكاهة مثل اللعب في المواقع والمواقف الآمنة، ويكون لعوامل مثل الألفة الخاصة بالبيئة، وبالأشخاص الموجودين فيها، تأثير واضح في الفكاهة التي يعبر عنها، أو يجري تذوقها أيضًا.
·       للفكاهة كسلوك اجتماعي قيمة بقائية (أي قيمة للحفاظ على الحياة ) بالنسبة إلى الطفل (أو الراشد) فهي تعزز الارتقاء المعرفي واللغوي لديه ومن ثم تزيد من تكيفه مع البيئة، وتيسر عمليات التفاعل الاجتماعي بالنسبة إلى الآخرين. وتسهم في تكوين جماعات الأقران، وفي تزايد الشعور بالانتماء إلى هذه الجماعات أيضًا.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق