الخميس، 25 أكتوبر، 2012

• بين غناء أم كلثوم وشعر أحمد شوقي


       الطريف أنني كنت نافرا من أغاني أم كلثوم وشعر أحمد شوقي في شبابي البعيد. كنت لا أطيق أغاني أم كلثوم التي كنت أراها طويلة، وكم سخرت من الكبار في أسرتي الذين لم يكن يشغلهم شيء في الخميس الأول من كل شهر سوى الإعداد للسهر مع الست في حفلتها الشهرية. وكنت أعجب من هذا الانسجام الذي كنت أراه على وجوه الكبار من أفراد أسرتي، وهم يستمعون في صمت وإجلال إلى صوت الست ، لا يقطع الصمت إلا آهات النساء أو استحسان الرجال الذي تنطقه عبارة «الله يا ست». وكنت أعجب كيف يتحمل هؤلاء تكرار المقاطع لمرات عديدة.

          وكنت أرى في ذلك إملالا شديدا ولم يفلح معي ما حاول أن يشرحه لي قريب متسامح من أن الأمر ليس تكرارا اعتباطيا، وإنما هو تلوين نغمي بالصوت ومحاولة إحداث تنويع نغمي للمقطع الواحد أو الجملة. ومضيت سادرا في جهالة الشباب، كارها لأم كلثوم التي رأيت فيها - ويا للغباء - نوعا من الرجعية التي ينبغي الثورة عليها. وعندما دخلت الجامعة وقابلت شبابا سبقني إلى الثورة على تقاليد السماع القديمة التي كانت ترمز لها أم كلثوم، عرفت نماذج موسيقية وغنائية حداثية. ولقد انحزت مثل بعض الذين سبقوني في التمرد على أم كلثوم إلى فيروز التي اعتبرناها صوت الحداثة التي أخذنا في الانحياز إليها والتعصب لها. وظللت سنوات على هذا الحال إلى أربعينيات العمر. ولكن تصادف أنني كنت جالسا وحدي بعد منتصف الليل، فمددت أصابعي إلى أزرار المذياع، فخرج صوت أم كلثوم رائقا، يغني أبيات أحمد شوقي:
سلوا قلبي غداة سلا وتابا
                              لعل له على الجمال عتابا
ويُسأل في الحوادث ذو صوابا
                              فهل ترك الجمال له صوابا؟
وكنت إذا سألت القلب يوما
                              تولى الدمع عن قلبي الجوابا
ولي بين الضلوع دم ولحم
                              هما الواهي الذي ثكل الشبابا
تسرّب في الدموع فقلت ولى
                              وصفق في القلوب فقلت: ثابا
ولو خلقت قلوب من حديـد
                              لما حملت كما حمل العذابا
ولا ينبيك عن خلق الليالي
                              كمن فقد الأحبة والصحابا
          والأبيات جزء من قصيدة طويلة. وأجمل ما فيها هي هذه المقدمة الذاتية المستقلة بنفسها، والتي تلفت الانتباه إلى حضورها الخاص في غناء أم كلثوم. وأول ما لفت انتباهي فيها خلال صوت أم كلثوم هو الإيقاع المتدفق لبحر «الوافر» بتنويعاته النغمية التي تؤديها الزحافات والعلل. ويتضافر ذلك مع المفارقة التي يحملها البيتان الأولان، فمن الذي يسأل القلب الذي ينسى الجمال عن الجمال نفسه، وهو شيء غير قابل للنسيان. ومن الذي يطلب الرأي الصواب من العاشق الذي أطار العشق بعقله، فاختلط عليه الأمر، وأصبح عاجزا عن تبين الخطأ من الصواب. وكلا البيتين ينطويان على صيغة السؤال التعجبي الذي يحمل في طياته الإجابة التي تصل بين البيتين وصل التماثل الدلالي الذي يدني بطرفيه إلى حال من الاتحاد. ولذلك يأتي البيت الثالث بما يكمل معنى المفارقة في سياق المفارقة المبنية في صيغة سؤال إجابته متضمنة فيه، وكاشفة عن امتداد أو دلالة المفارقة التي يختمها بنوع من الانتقال إلى القلب، في سياق يدفعنا إلى توقع الجواب أثناء فعل السؤال وصيغته. والانتقال إلى سؤال القلب استهلال للحديث عنه في ذاته، فهو مصدر الحب وسببه وضحيته في آن، ولذلك فهو هذا الكيان الرقيق الواهن من لحم ودم، وهو المبتلى بالحب الذي يفقده عافية الشباب. وهو يذوب في دمع العاشق رقة وهشاشة. وترتبك ضرباته كأنها تتذبذب بين ما يبعث على الحياة ويسلبها في الوقت نفسه. والتضاد الذي ينبني به البيت هو تمهيد للبيت قبل الأخير الذي هو كناية بلاغية عن ثقل وطأة الحب على القلب الذي يحمل من أعباء الحب ما يبدو أكثر ثقلا وإرهاقا من حمل الحديد. وهي كناية تقود مباشرة إلى صياغة البيت الأخير في قالب الحكمة المتكررة في شعر شوقي إلى الدرجة التي دفعتني إلى وصفه بأنه شعر يصدر عن شاعر حكيم بالمعنى الإيجابي لهذا الوصف. وصعب أن ينسى القارئ التنغيم في الأبيات، والتوافقات الصوتية التي نراها في الجناس الصوتي ما بين (سلا) و(سلوا)، حيث يتوافق صوتيا معنى السؤال والنسيان (بالسلو) في موازاة التوازي الصوتي ما بين كلمتي «التصريع» أعني (تابا) و(عتابا). وأضف إلى التلاعب بمدلولات الدال (صوابا) وتكراره، على نحو يتناغم مع تجاوب (سألت) و(تولى.. الجواب). وتدعم الكناية عن القلب بما يفضي إلى استعارة مكنية في الإشارة إليه والحديث التخييلي عنه الذي يكتمل بكناية أخرى تتحول إلى استعارة. والحق أن هذا التجانس البلاغي في مجازيته، يتنافر والتجانس الصوتي لأحرف الكلمات في نغميته، وذلك على نحو يبرزه تدافع الإيقاع الوزني للبحر العروضي، والبراعة في توزيع أحرف المد واللين في موازاة الأحرف الصائتة بما يبرز الخاصية النغمية أو الغنائية على حد سواء.
الطبيعة والفنون
          لا أظن أنني حللت هذا المقطع الشعري على هذا النحو، وأم كلثوم تقوم بغنائه، ولكني أذكر أنني شعرت شعورا مختلفا بكل من أم كلثوم وأحمد شوقي. أما أم كلثوم فقد بدأت أشعر شعورا مختلفا بها وبطبقات صوتها، وأن في هذا الصوت من الجوانب العبقرية الإعجازية التي ينبغي أن أتعرف عليها في نضج وتأمل، بعيدا عن الحماسة الغشيمة للشباب الذي كنت واحدا منه، بحكم قلة الخبرة الجمالية والنقدية في آن. لم يدفعني ذلك إلى التخلي عن إعجابي بصوت فيروز وأدائها الصوتي، وإنما كان ما تكشف لي على نحو غامض بداية نضج نقدي وجمالي في آن. ولذلك كان لابد لي إدراك معنى التعدد والتنوع في حال حضور الجمال والجميل. فهدير البحر في الليالي المقمرة، والسكون يلف كل شيء، له جماله الذي لا يتناقض مع جمال الغابة أو مشهد العاصفة، فالجمال متعدد ومتنوع. وما يصدق على الطبيعة يصدق على الفنون، ومنها اقتران الشعر والغناء في مبنى ونسق واحد. ولذا فالحسان من النساء كلهن جميلات. لكن كل مليحة بمذاق كما يقول شوقي، وهو يصف أنواع البلح الذي يثقل النخيل وتتعدد ألوانه وتتنوع أشكاله، فيكون لكل نوع جماله الخاص في اختلاف ألوانه ومذاقه، فيتأكد التنوع والتعدد في المذاق والهيئة، فيغدو جمال البلح شبيها بجمال النساء، كل مليحة بمذاق. هكذا بدأت في إدراك أن جمال الأصوات في الغناء يقوم على التعدد والتنوع في جوهر حضوره، وأن تمسكي بجمال صوت فيروز لا يمنع إدراكي الجديد لجمال صوت أم كلثوم الذي لم أدركه على هذا النحو من العمق من قبل. وهو عمق أخذ يتأصل في نفسي مع سماع وتكرار سماع رباعيات الخيام التي قدمها لها أحمد رامي في أجمل ترجمة أتخيلها للرباعيات التي ترجمها عشرات الشعراء العرب قبله وبعده، لكن يظل لترجمته جمالها الفريد الذي يضعها في الأدب العربي موضع ترجمة فيتز جيرالد للرباعيات نفسها في تاريخ الشعر الإنجليزي. وقد ظل إعجابي بأم كلثوم وما غنته لأحمد شوقي يتزايد منذ ذلك اليوم الذي لاأزال أذكره في السبعينيات من القرن الماضي، وكنت قد فرغت من أطروحتي لدرجة الماجستير سنة 1969 وأطروحتي للدكتوراه سنة 1973.
مشكلة العقم والابتكار
          الطريف أن أطروحتي للماجستير كانت عن شعراء الإحياء من أقران أحمد شوقي وأساتذته، فقد درست الصورة الشعرية في كتاباتهم الشعرية، وكنت سلبيا في موقفي النقدي من شعر شوقي وأقرانه مثل حافظ إبراهيم والرصافي والزهاوي، وأساتذته من أمثال محمود سامي البارودي وإسماعيل صبري. وكنت واقعا تحت تأثير الذوق النقدي الذي ظل متوارثا من المدرسة الرومانسية في الأدب ونظرية التعبير في النقد الأدبي. كان شوقي ضيف يسهب في الحديث عن تأثر أحمد شوقي بالقدماء، وكان تلميذه وأستاذي عبدالمحسن طه بدر يتحدث عن غيرية شوقي بوصفها نقيصة جمالية، ولذلك تعللت بأن قصائد شوقي لا تتكشف عن ذات متفردة تسعى إلى التعبير عن وجدانها بالكشف عن أخص وأدق مشاعرها ووجدانها الخالص، وأن ضمير المخاطب الفرد والجمع يغلب على قصائده، فنراه يقول:
إلام الخلف بينكم إلامـــا
                              وهذي الضجة الكبرى علاما؟
          أو يبدأ القصيدة بفعل الأمر:
قم ناج جلق وانشد رسم من بانوا
                              مشت على الرسم أحداث وأزمان
          ولم يكن شوقي يقول مثل علي محمود طه:
أنا من ضيع في الأوهام عمره
                              نسي التاريخ أو أنسي ذكره
غير يوم لم يعد يذكر غيره
                              يوم أن قابلته أوّل مرة
          ولم يكن الشاعر عند أساتذتي إلا الشاعر الذي يتحدث عن نفسه وعالمه الداخلي، ويعبّر عن وجدانه الخاص، وكان ذلك ما تعلمه أساتذتي من مدرسة «الديوان» التي جمعت بين عباس العقاد الشاعر وإبراهيم المازني وعبد الرحمن شكري الذي صاغ شعار نظرية التعبير في أحد أبياته:
ألا يا طائر الفردوس إن الشعر وجدان
          ومن هذا المنطلق، كتب أستاذي عبدالعزيز الأهواني كتابه عن الشاعر القديم ابن سناء الملك تحت عنوان «مشكلة العقم والابتكار» وكان «العقم» يتحقق في الشعر، من منظور الأهواني، عندما يبتعد الشاعر عن التعبير عن وجدانه الفردي فلا يعيش واقعه المتعين، بل يعيش في دواوين السابقين عليه من أسلافه الذين يرى واقعه هو بأعينهم هم. وقام عبدالعزيز الأهواني بتطبيق نظرية التعبير على شعر ابن سناء الملك فوجد أنها لم تفلح. ولذلك قرر أن يدرس شعر ابن سناء الملك حسب ما رآه الشاعر القديم ابتكارا في الشعر. وكان ذلك باتباع القدماء والإضافة إليهم والتفوق عليهم، لكن من خلال تقاليدهم الشعرية. وكانت النتيجة أن تحوّل منهج عبدالعزيز الأهواني التطبيقي في درس ابن سناء الملك إلى نوع من قص الأثر، أو دراسة الطرائق التي تكونت بها أبيات ابن سناء الملك بمزج شعر القدماء أو بإعادة صياغته بالإضافة والنقصان وتغيير الاتجاه. وكان الإطار المرجعي في ذلك كله أن الشعراء المتأخرين عاشوا في دواوين القدماء أكثر مما عاشوا في عصورهم، وأنهم كانوا ينظرون بأعين القدماء إلى واقعهم، فلا يرونه حقا، ومن ثم لم يكونوا معبرين عن ذواتهم ولا عن وجداناتهم الفردية، ولا حتى عن عصرهم. وحتى عندما جاء محمد مندور لكي يقوم بتطوير نظرية التعبير، فإنه ظل دائرا في حدودها. وكان من بين ما فعله على سبيل التطوير إضافة الوجدان الجمعي إلى الوجدان الفردي. وكانت النتيجة أن أصبح الوجدان في الشعر وجدانين، بدل تغيير النظرة إلى الوجدان جذريا.
          وأذكر أن أستاذي عبدالعزيز الأهواني دلني في كتابه على مرجع بالغ الأهمية في فلسفة الفن. ومن المؤكد أن هذا المرجع كان المرجع الأصلي الذي اعتمد عليه أغلب أساتذتي. وقد تولى أستاذي عبدالحميد يونس تلخيص هذا المرجع، وأعاد صياغته في كتابه عن الأسس الفنية للنقد الأدبي. أعني كتاب روبين كولنجوود (الذي لم يكن قد ترجم إلى العربية بعد) «مبادئ الفن». وكان الكتاب - المرجع يقوم على التمييز بين الفن الزائف والفن الحق. أما الفن الزائف فيمكن أن يختصره مفهوم الصنعة، أو مفهوم التسلية، أو مفهوم التعليم. أما الفن الحق فهو التعبير عن الوجدان، فالفن الحق تعبير، وما عدا ذلك صنعة في حال السير على طرق القدماء، وكما في حالة ابن سناء الملك من منظور الأهواني، أو تعليم أو تسلية وترفيه كما في حالة الروايات السابقة على رواية «زينب» لمحمد حسين هيكل التي كانت هي التعبير الفردي عن مشاعر صاحبها، كما رأى أستاذي الثاني عبدالمحسن طه بدر، وأنا كنت تلميذا نجيبا لكل من عبدالعزيز الأهواني وعبدالمحسن بدر، وأضف إليهما شوقي ضيف ومحمد مندور وعبدالحميد يونس، وقبلهم العقاد والمازني وعبدالرحمن شكري وطه حسين في مصر، وميخائيل نعيمة وجبران في المهجر، وكل شعراء الرومانسية العربية الذين لم يكن جيلي سوى الامتداد الطبيعي لهم في النظر إلى الشعر بخاصة والأدب بعامة.
          وكانت النتيجة أنني كتبت أطروحة الماجستير من هذا المنظور التعبيري، ومتأثرا كل التأثر بكتاب عبدالعزيز الأهواني. وكانت النتيجة أن قضيت أربع سنوات أقص أثر الصور الشعرية التراثية في شعر أحمد شوقي وأقرانه من شعراء عصره الذين أطلق عليهم أساتذتي شعراء «الإحياء» و«البعث». وكلتا الكلمتين تعنيان إحياء الشعر وبعثه من رماد الماضي إلى حضور العصر الحاضر. وكم كان فرحي غامرا عندما كنت أصل إلى نتائج لم يعرفها أساتذتي، فعلى سبيل المثال ذهب طه حسين إلى أن قصيدة أحمد شوقي التي مطلعها:
الله أكبر كم في الفتح من عجب
                              يا خالد الترك جدد خالد العرب
          وانتهى طه حسين وتابعه شوقي ضيف إلى أن القصيدة الشوقية كانت متأثرة بقصيدة أبي تمام في انتصار عمورية:
السيف أصدق أنباء من الكتب
                              في حده الحد بين الجد واللعب
          ولكني اكتشفت أن قصيدة شوقي لم تكن تراعي قصيدة نصر عمورية لأبي تمام فحسب، وإنما كانت تنظر إلى قصيدة أخرى للمتنبي من الوزن نفسه والقافية ذاتها. أما المفاجأة السارة لي فكانت أن مطلع شوقي:
الله أكبر كم في الفتح من عجب
                              يا خالد الترك جدد خالد العرب
          كان إعادة صياغة لمطلع قصيدة لابن النبيه الشاعر المصري، مطلعها:
الله أكبر ليس الحسن في العرب
                              كم تحت لمة ذا التركي من عجب
          وما فعله الوعي الشعري لشوقي أو حتى اللاوعي، هو أنه نقل مطلع ابن النبيه من النسيب إلى المديح. وانتهيت من التحليل التفصيلي إلى نتيجة لاأزال أراها صحيحة، وهي أن شعر الإحياء بحرصه على التقليد هو شعر ذاكرة، وشعر الذاكرة في عملية الإبداع يخضع لتأثير الوزن الواحد والقافية الواحدة، فما إن يختار شاعر مثل أحمد شوقي وزن «البسيط» عروضيا والقافية المنتهية بحرف الباء، حتى تتداعى على ذهنه، شعوريا أو لاشعوريا، كل القصائد التي تختزنها ذاكرته من الوزن نفسه والقافية ذاتها، فتكون النتيجة قصيدة أشبه بالسبيكة التي تكونت من معادن عديدة، صهرتها نار الذاكرة في سبيكة فيها من العناصر ما يدل على أصلها للفاحص الخبير. وكنت أتصور نفسي ذلك الفاحص الخبير في ذلك الزمن البعيد، ضمن حماسة الشباب وسذاجته.
          وأذكر أن أستاذي شكري عياد هاجمني أثناء مناقشة أطروحة الماجستير، علنيا بالطبع، واتهمني بالدوجماتية وأنني بنيت الأطروحة على نتيجة محددة سلفا، وأن ما قمت به في الأطروحة هو التدليل على الرأي المسبق، وليس البحث الموضوعي المحايد دون نتائج مسبقة. وبالطبع أغضبني رأي أستاذي الذي رددت عليه وقت المناقشة بما بدا لي مقنعا. ولكن خفف غضبي أنه امتدح ما بذلته من جهد شاق ووافقه على ذلك المناقش الثاني أستاذي المرحوم عبدالحميد يونس، ومعهما أستاذتي المشرفة سهير القلماوي التي كانت تنزلني منزلة أحد أبنائها. وكانت النتيجة أن حصلت على أعلى تقدير على الأطروحة.
انقلاب على نظرية التعبير
          وتعاقبت الأعوام منذ 1969.. وبدأت تغزو وعيي النظريات الموضوعية في الفن، وأخذت أسمع مرارا وتكرارا بجملة ت. إس. إليوت الشهيرة: الفن ليس تعبيرا عن الشخصية وإنما هو فرار من الشخصية. وبدأت أعرف قيمة ما أسماه رشاد رشدي «المعادل الموضوعي» وكيف أن العمل الأدبي الحق هو الذي يصوغ معادلا موضوعيا لما في داخل الشاعر. وشيئا فشيئا، بدأت أنقلب على نظرية التعبير. في البداية، أعجبتني محاولات تطويرها عند أمثال جون ديوي في كتابه «الفن خبرة». وقد قرأته مترجما، ولكني انتهيت إلى رفض نظرية التعبير مع ما كتبه إرنست كاسيرر في كتابه «مقال عن الإنسان». وزادت نظرية التعبير تضاؤلا في القيمة عندي إلى أن انتهيت إلى رفضها الكامل. وعندما ذهبت إلى الولايات المتحدة سنة 1977 تعرفت على البنيوية اللغوية والبنيوية التوليدية، فضلا عن نظريات التناص. وتغيرت نظرتي إلى علاقة اللاحق بالسابق، ومن ثم الإيمان بأن كل كتابة لاحقة قائمة على كتابة سابقة، واتخذ معنى «هل غادر الشعراء من متردم؟» دلالات جديدة، لم أكن أعرفها من قبل.
          هكذا، وجدت ذوقي الشعري يتغير في موازاة ذوقي الأدبي. وأبديت إعجابا شديدا لأستاذتي سهير القلماوي بمقالاتها التي أخذت تنشرها في مجلة «الكاتب» عن جماليات التكرار في الشعر القديم. وحسدتها بالمعنى الإيجابي على تحليلها لقصيدة أبي ذؤيب الهذلي التي مطلعها:
أَمِنَ المنُونِ ورَيْبِها تَتوَجَّعُ
                              والدهرٌ ليس بمعتبٍ مَنْ يجزعُ
          ولم يفتني، بالطبع، أنها لم تتبع خطى نظرية التعبير بمعناها الساذج. وأظن أن هذه القراءة لسهير القلماوي وازت معرفتي بما كتبه أدونيس عن الشعر القديم، ثم ما كتبه مصطفى ناصف، رحمه الله، فلم ينل من التقدير ما يستحقه وما هو جدير به، هذا الناقد الكبير الذي دفعني إلى تأسيس قطيعة معرفية مع كل الهجوم الرومانسي التعبيري على شعر أحمد شوقي الذي أخذت أقرأه بعين جديدة. وكان استماعي إلى أم كلثوم تغنيه بداية ذلك، وبداية تغيير موقفي الجمالي النقدي منها ومنه.
ابن شوقي!
          وهكذا قادتني أغنية «سلوا قلبي» إلى بقية قصائد شوقي التي غنتها له أم كلثوم. وقد غنت له إحدى عشرة قصيدة، موجود حصر بها في كتاب «أم كلثوم» من إعداد الدكتورة إيزيس فتح الله والمرحوم الأستاذ محمود كامل رحمه الله، فهو أعلم من قابلت في الخبرة بالموسيقى الشرقية والغناء. ومن بين القصائد التي غنتها أم كلثوم لأحمد شوقي قصائد لها ذكريات معرفية خاصة بها، ومنها القصيدة التي مطلعها:
إِلى عَرَفاتِ اللَهِ يا خَير زائِرٍ
                              عَلَيكَ سَلامُ اللهِ في عَرَفاتِ
          وسبب كتابة شوقي لهذه القصيدة طريف، ذكره ابنه حسين شوقي في كتابه «أبي شوقي» ووجه الطرافة أن الخديوي عباس حلمي الثاني قرر أن يذهب إلى الحج مصطحبا معه أسرته. وكان من الطبيعي أن يطلب من شاعره وصديقه أحمد شوقي الذهاب معه، وداعبه قائلا: إنه سيركب حصانا مطهما هدية منه إليه. ولم يملك شوقي الرفض، فصحب الموكب إلى صحراء العباسية، ومن هناك فرّ تاركا الموكب، قبل أن ينتبه الخديو عباس حلمي الثاني، وعاد شوقي إلى القاهرة، حيث كتب هذه القصيدة التي أرسلها معتذرا إلى الخديو. ومن الواضح أن أم كلثوم المتذوقة المتميزة للشعر قرأت القصيدة وأعجبتها الروح الدينية التي تتخللها، وتنقل الخاص فيها إلى العام. وكالعادة، حذفت الأبيات غير المناسبة من وجهة نظرها، واستبدلت كلمات بكلمات، ابتداء من المطلع الذي كان:
إِلى عَرَفاتِ اللَهِ يا ابن مُحمد
                              عَلَيكَ سَلامُ اللهِ في عَرَفاتِ
فأصبح:
إِلى عَرَفاتِ اللَهِ يا خَير زائِرٍ
                              عَلَيكَ سَلامُ اللهِ في عَرَفاتِ
          وهو تغيير موفق، ينقل القصيدة من خطاب الخديو عباس حلمي الثاني إلى كل من يقوم بالحج، حيث ينعكس معنى السعي على الساعي، ويستمد الحاج من شرف المقصد ما يضفي عليه هو الشرف ومعنى الخيرية التي يفضل بها الحاج عن غيره الذي لم ينل شرف المقصد. والقصيدة طويلة في الشوقيات، قد تزيد على ستين بيتا فيما أظن، وإذا لم تخذلني الذاكرة، غنت منها أم كلثوم خمسة وعشرين بيتا. ومن أجمل أبياتها تلك التي تقول لخير زائر:
إِذا زُرتَ البيت قَبر مُحَمـَّدٍ
                              وَقَبَّلتَ مَثوى الأَعظَمِ العَطراتِ
وَفاضَت مَعَ الدَمعِ العُيونُ مَهابَة
                              لأحمَدَ بَينَ السترِ وَالحُجراتِ
وأشرق نور تحت كل ثنية
                              وضاع أريج تحت كل حصاة
فَقُل لِرَسولِ اللَهِ يا خَيرَ مُرسَلٍ
                              أَبُثُّكَ ما تَدري مِنَ الحَسَراتِ
شُعوبُكَ في شَرقِ البِلادِ وَغَربِها
                              كَأَصحابِ كَهفٍ في عَميقِ سُباتِ
بِأَيمانِهِمْ نورانِ ذِكر وَسُنَّةٌ
                              فَما بالُهُمْ في حالِكِ الظُلُماتِ
وَذَلِكَ ماضي مَجدِهِمْ وَفَخارِهِمْ
                              فَما ضَرَّهُمْ لَو يَعمَلـونَ لآتِ
وَهَذا زَمانٌ أَرضُهُ وَسَمـاؤُه
                              مَجالٌ لِمِقدامٍ كَبيرِ حـياةِ
          ومن الأغاني التي لها حكاية خاصة، القصيدة التي كتبها أحمد شوقي في أم كلثوم نفسها، إعجابا بها ونعرف من كتاب نعمات فؤاد عن أم كلثوم، أن أحمد شوقي مرّ بنفسه على أم كلثوم في ?يللتها التي كانت تطل على نيل الزمالك، وقدّم لها مظروفا مغلقا به هذه القصيدة التي سعدت بها أم كلثوم بعد أن قرأتها. لكن من الغريب أنها لم تغنها في حياته، فقد مات أحمد شوقي في أكتوبر 1932، وظلت أم كلثوم محتفظة بالقصيدة التي مطلعها:
سلوا كؤوسَ الطلا هل لامستْ فاها
                              واستخبروا الراحَ هل مسّتْ ثناياها
          والطريف حقا أن أم كلثوم لم تغن لأحمد شوقي شعرا في حياته. وكل ما غنته له جاء بعد وفاته بسنين عديدة. لكن يبقى أنها غنت لأمير الشعراء الذي ما كان يمكن لها أن تتجاهله، ولا تغني له مهما كانت الأسباب. ولذلك كان من المحتم أن يلتقي شعر أمير الشعراء مع صوت سيدة الغناء العربي، ومن ألحان رياض السنباطي الذي كان أفضل من يقوم بتلحين روائع الشعر العمودي القديم إلى أن توفاه الله سنة 1961. مؤكد أن أم كلثوم غنت لشوقي قصائد عديدة. لكن لا يسطع منها في ذاكرتي، إلا ما يدور حول المعاني الدينية الرفيعة، والطبيعة التي يمتزج فيها جمال الطبيعة بالتاريخ، وليس هناك أدل على ذلك من قصيدة شوقي عن النيل التي مطلعها:
من أي عهد في القرى تتدفق
                              وبأي كف في المدائن تغدق
ومن السماء نزلت أم فجّرت
                              من عليا الجنان جداولا تترقرق
          والمطلع نفسه يحمل دلالات دينية، تكشف عن خاصية أساسية في شعر شوقي، وهي خاصية مرتبطة برؤيته للعالم، وهي رؤية تجعل من الطبيعة بجمالها المعجز مجلى من مجالي الصانع المعجز، الخالق المبدع لكل الأكوان. ولا أوضح من هذا البعد في شعر شوقي الذي يرشدنا إلى أحد مفاتيح عالمه في قوله:
تلك الطبيعة قف بنا يا ساري
                              حتى أريك عجيب صنع الباري
          وقصيدة النيل تحمل الفتنة بالطبيعة وعمق الإحساس التاريخي الممزوج بنزوع روحي إسلامي يتخلل كل شيء في الشعر الذي جعله شوقي ابن أبوين: الطبيعة والتاريخ. ومن الممكن أن نضيف إليهما المرأة التي هي من مخلوقات الطبيعة الذي يكتمل به حضور الإنسان في الوجود.
          ومن المؤكد، أخيرا، أن غناء أم كلثوم ازداد ثراء بالقصائد التي غنّتها من شعر شوقي وأقرانه، فرفعت بها من شأن الكلمة المغناة، وأعادت بها الشعر إلى توأمه الطبيعي، وهو النغم والموسيقى، خصوصا في المدى الذي ترتقي فيه الكلمة بالموسيقى، فتحلّق معها إلى سماوات الشعور، وذلك في الوقت الذي ترتقي به القصيدة المغناة بالكلمة العامية في الأفق الموسيقي الذي تتجاور فيه الكلمة العامية مع الكلمة الفصحى في المدى الذي ترتفع فيه عامية بيرم التونسي ومأمون الشناوي وعبدالوهاب محمد ومرسي جميل عزيز إلى المستويات التي وصلت إليها قصائد أحمد شوقي وإسماعيل صبري وحافظ إبراهيم والشريف الرضي وابن النبيه المصري وأبي فراس الحمداني والعباس بن الأحنف.. وصولا إلى الزمن الذي يصل ما بين إبراهيم ناجي ونزار قباني وأحمد مشاري العدواني. وهم الشعراء الذين شدت أم كلثوم بكلماتهم.
                                                                                    جابر عصفور



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق